العدد لأول

جدليّة الانبتات و التجذّر ...

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

      قراءة نقديّة في المجموعة القصصيّة  " رتق الرّوح " للدكتور رياض جراد ..

       بقلم الكاتب و الناقد شكري مسعي .

 "صدقيّة التّماهي و اغتراب الذاكرة " .

 عندما قرأت القصص القصيرة في رتق الرّوح للقاصّ الدكتور رياض جراد اكتشفت عوالم مختلفة و نمطا مغايرا في الكتابة السرديّة ، والقارئ لهذه المجموعة لا بدّ أن يكتشف قدرة المؤلّف

على ايصال المتلقّي إلى تكوين رؤية فكريّة عن وضع اجتماعيّ مبتَلًى بالفقروالحرمان والجهل و ضيق الأفق المعرفي باستثناء قلّة من المجتمع خدمتها عديد الظروف ، كلّ ذلك كان بأسلوب فنيّ متماسك النّسيج ..إنّك مع مجموعة ذات حضور في النّفس و الذّاكرة ذلك أنّ اختيار الدّكتور رياض جراد عنوانا فريدا لمجموعته ( رتق الرّوح ) ذا الدّلالة الصوفيّة في ظاهرة لا يخفي صدقيّة الطرح و إشراقاته النورانيّة في نفس القارئ .. رتْق من رَتَقَ يرْتُقُ الشّيء رتْقًا أيْ سدّ ثقوبه و خاطه أو لحَمَه ،لكن عندما يتعلّق الرّتق بالرّوح يأخذ المعنى تأويلاتٍ عديدةً .. وينزاح عن المعنى القريب إذ لا يُرْتَقُ عادة إلا الثـّوب أو الرّداء أو الجلد أو الجرح .. و رتق الرّوح هو سدّ لجراحاتها ولحْمٌ لخدوشها ..إنّ العنوان مغرٍ وواعدٌ وهو ذو دلالة سيميايّة  متوهّجة تفتح أمام المتلقّي الواعي نوافذ رؤيويّة قد تمنحه القدرة على فكّ شفرات النصّ واستنطاق أغواره وهو ما سنحاول أن ننجزه في هذه القراءة السّريعة ..

  فللكاتب الدّكتوررياض رتق الرّوح و لنا فتق النصّ ..و استنطاقه ما استطعنا إلى ذلك سبيلا ..

   في خضمّ الاشتغال في بؤرة الذاكرة المتشظّية بين ماضويّةذاكرتيّةو آنيّة  حدثيّةمشبوبة بالإحساس الموجع بالتأرجح بين الانبتات و التجذّريشحذ القاصّ / السّارد الذّاكرة لتستحضر كلّ تفاصيل الحياة و الواقع الذي يزخر بألوانو روائح و صورو أشكال و بشرو حيوان وأماكن عزيزة ذات مكانة في القلب .. إنّ ذاكرة المؤلّف حيّة نابضة تبعا لعمره فهو مازال شابا يمتح أدواته الذاكراتيّة من معين متدفّق هوالمكان ..هذا الذي استأثر بجلّ تفاصيل الرّتق .. وعلى هذا الأساس ينبني الفعل الكتابيّ و تقوم العمليّة السرديّة على ثلاثة محاور في المجموعة القصصيّة " رتق الروح" للدكتور رياض جراد هي : القرية بؤرة للمعيش ..مرآة الذاكرة / المدينة موطن الشباب و الانطلاقو البحث عن دنيا جديدة /صور و تأمّلات من وحي الأنا المتعدّد .

   * القرية بؤرة المعيش .. مرآة الذاكرة :

 القرية هي فضاء النّصوص في رتق الروح ..إنّها مسرح الأحداث والحكايا ..وهي الخلفيّة لكلّ ما يجري و يحدث ، إنّها الحضن الذي ترعرع فيه الكاتبو عرف أولى خطواته وقهقهاته وأوجاعه .. إنّها موطن السّروروالحبوروالدّموع والبكاء .. منها تنطلق الحكمة أحيانا وينبعث النّورمن وراء التلال ..هنا تمتح الذاكرة أدواتها لترسم لوحة من الحياة البسيطة الهادئة الرائقة بين أصابع الشّمس و رموش الصّباح الفتيّ .. هنا يكون للوجود طعم الشّهد رغم قلّة الحيلة وضيق ذات اليد .. هنا يكون للأمل مكان .. ص : 16( كنت تلبس قشّابيتك وتجلس على عتبة المنزل ، ترسل بصرك في بساتين القرية والجبل الماثل على أطرافها ، ترمقني من طرف خفيّ بعين الرّاعي وأنا أكوّر الثّلج وألقي بالكريّات أبعد فأبعد إلى السّماء ، فأردّ لها صوفها وقد غزلته أناملي ، أصنع من الثّلج رجالا ونساء  وأطفالا وطيورا وخرافا ) ..هكذا يكون للمكان جلاله وسلطانه لأنّه يعطي الشخصيّة حريّتها في أن تكون فاعلة بقدر كبيروأن تكون حاضرة بالفعل بقدر أكبر ..والنصّ فيه من الحكمة ما يجعله درسا بناه القاصّ ليؤكّد أنّ ذلك القرويّ الذي حرمته الظروف أن يدرس أوشاءت قلّة الحيلة لديه أن يكتفيَ بالنّزر القليل من التّحصيل ليس بأقلّ من الذين تعلّموا وامتدّت بهم سبل الدراسة ..ص : 15( خرافك تُجَزّصيفا ،والسّماء تًجَـزُّشتاء يا ولدي ، ولا يخدعنّك بياض صوف السّماء ولينه ، إنّه جميل بطعم الموت يا حبيبي ، ألا ترى لين ملمس جلد الأفعى وتناسق ألوانها وهي تسقي السمّ الزّعاف ؟ ) .ولأنّ النصّ مبنيّ من رخام الذاكرة ، فهويهمي متدفّقا أحيانا إلى درجة أنّه يعصف بالمتوقّع من سنن التقنيات الفنيّة في السرديّة فلا يحتكم إلى نظام محدود ، فيأتي بعضه أحيانا مقتضبا مترهّلا تنفصل بعض أجزائه وتصيرغريبة عن البنية الكليّة للنصّ ، وهذا عائد لاحتفاله بالماضويّةوالذّاكرة حتّى أنّ بعض الجمل تتفاوت في قدرتها على توصيل الحكاية .. فمن الشعريّةوالحكمة والعمق إلى السطحيّة والتجريد حدّ الغموض المغلق الذي يُفقد النصّ جذوته أحيانا .. ورغم كلّ ذلك يظلّ النصّ في قصص الدكتوررياض نابضا بالفعل وبكيمياء اللّغة السامقة ..

   يلحظ قارئ مجموعة " رتق الرّوح " أنّ المشهد السّرديّ لا يحتفل فقط بالزّخم اللّغويّ بل يتعدّى ذلك إلى امتلاء المشهد بعوالم قصصيّة مكتظّة تنسجم مع البؤر السرديّة ، ما يجعل تلك اللّغة الشاعريّة حاضنة لأحداث القصص . فالمشهد يتحوّل إلى لوحة مملوءة بالألوان والشخوص ، ومن النّصوص الناضجة قصصيّا نصّ ( السقّاء) فأنا أعتبره أنضج نصوص المجموعة وأقدرها على بسط الهمّ الانسانيّ .. في هذا النصّ يتشكّل عالم قلق موارب .. لحظة فارقة بين وضعيْن : وضع قديم كان فيه السقّاء بلقاسم ( وهو الشخصيّة المحوريّة في القصّة ص 35) المزوّد الوحيد لأهل القرية بالماء يسقيهم ويملأ قربهم وقنانينهم وأوانيهم ، ووضع جديد استفاقت عليه القرية ذات صباح لتجد الحفّارة العملاقة تنخرأرض هنشيرالدّاموس لتحفرالبئرو قد انتشرعمّال شركة استغلال المياه . القرية سوف تفارق ركن انتظار بلقاسم السقّاء لتنخرط في مشروع الشركة الواهبة للماء .. الواهبة للراحة والحياة ..تغيّر الوضع في القرية ، فأصبح الماء في المنازل في حنفيّات ، وهو خيرطال أهل القرية في ظاهرة لكنّه شرّ أقعد بلقاسم عن العملو حكم عليه بالبطالة وتجويع أسرته ، وما طال حتّى انكشفت عوراته ونوايا أصحابه .. حفر البئر القرويّة كان مطيّة لمصادرة حقّ أهل القرية في المياه ، ص 37 ( .. إذا ما لبثت الشّركة أن حوّلت كلّ منسوب البئر لسقاية المدن المجاورة . يومها قصد بلقاسم دار العمدة ، وقال له : " لقد قلت إنّ المسؤولين على دراية تامّة بما يفعلون سحقا ꜝ إنّهم مستغلّون .) على أنّ المجموعة القصصيّة شملت نصوصا غلبت عليها أحيانا بساطة الرؤية السرديّة للكاتب ممّا أسقطها – في اعتقادي – في نوع من الهشاشة القصّيّةتشظّت فيها اللّحظة القصصيّة وسقط النصّ في نوع من الخطاب المباشر العادي فأحيانا تغزوها الوقفات والوصف فغاب التكثيف والعمق الذي يجلب المتعة القرائيّة ، مثل نصّ رتق الرّوح الذي عُنوِنَتْ به المجموعة ، لكنّ الذي يُحسَبُ لهذا النصّ ويُعتَبَرُ مَحْمَدة لغته الشاعريّة المدويّة التي تجعل الفكرة البسيطة عميقة وذات حضور محمود في المشهد الحكائي .

* المدينة موطن الشّباب و الانطلاق و البحث عن دنيا جديدة .

     المدينة هي الوجه الآخر للمرآة العاكسة لحياة الشخوص ..إنّها موطن الاحتمالات والشروروالضغط والمتناقضات .. هي بؤرة الحياة المتوتّرة الخانقة وأيضا حاضنة الهموم والواعدة بالرفاهيّة  والحرمانوالغرابة والعبث والضياع والشهوات العارمة والتمرّدوالأحلام الورديّة ..عكس حياة القرية النّاعمة النّاعسة الهادئة البسيطة ... والسّرد في بعض النّصوص التي تناولت المدينة بؤرةقصّيّةكانت لغتها أكثرجرأة وانفتاحا وخشونة.

الشخوص في النّصوص التي حضرت فيها المدينة كبؤرة مكانيّة في مستوى اللّحظة القصصيّة  مضطربون ، مسكونون بالقلق والهوَس ، يجادلون عوالم داخليّة وخارجيّة ضاغطة وخانقة لا يحكمها منطق .. هم ضحايا أوضاع اقتصاديّةواجتماعيّة متأزّمة .. والمدينة حسناء متدلّلة  وأحياناغانية متبرّجة مغرية لعوب ..وأحيانا سجن خانق مقيت .. عندما لا يجد الطّالب ما يؤمّن له دراستهوعيشه وبعضا من رغباته الجامحة ولا ما يحفظ له ماء وجهه ويحافظ له على حبّه الشبابيّ المفعم بالتوهّجوالآمال .. عندما تخونه الملّيمات البسيطةو تعصف بوعوده وآماله وتسفّه أحلامه .. عندها يكون للمعاناة طعم الحنظل وللصّبر لسع الشّوك وللوجود ثقل الجبال.. عندها فقط يكون للمدينة وجه الغولومخالب الوحش .. ص 73 ( أشتغل كامل اليوم بالتّفكيرفي حلّ لهذا الوضع المؤلم المزري ، صرخ في حنق : " ألا يكفيني ما أعانيه من ألم الدّرس ؟ .. اللّعنة " ، تتوالى حالات الهدوء و الانفعال وهو يسبّ ما آل إليه حاله ، سيذهب لسالم البقّال يعطيه بعض الطّعام وسيدفع له لاحقا ، نعم سيفعل ذلك العمّ سالم رجل طيّب ...توقّف على بعد خطوات منه ليتساءل : ماذا لو ردّني ؟ شلّه تعفّفه المتأصّل فيه ، وخوفه من إهداركرامته ، فقادته أقدامه إلى غرفته من جديد ... ما الحلّ " هيّا...فكّر يا عمر..سيقضي عليك الجوع إن بقيت في عجزك هذا ") أيّ مستقبل لطالب شابّ نازح من قريته طلبا للعلموالمعرفة حالم بمستقبل مشرق ؟ إنّه كغيره من آلاف الطلبة الشّباب يعيشون الشّظفوالقهروهم يناضلون من أجل تحقيق حلم الأب الواهن الفقير والأم البائسة .. هذه هي المدينة بأضوائهاو شوارعها وأنوارها وأهلها الخشنين الذين يضربون في شوارعها طولاوعرضا وقد شغلتهم حياتهم ومصالحهم عن هموم ذلك الطالب النازح من عمق القرية ..

  إلاّ أنّ الكاتب في جلّ قصص المجموعة نجح إلى حدّ كبير في استنطاق الحياة وكشف ملامحها المقنّعة .. لقد حاول أن يمارس في " رتق الرّوح " عمليّة هدم للوعي الكائن وبناء وعي ممكن عبر كتابة جريئة ومشاكِسة شكلا ومحتوى ، كتابة تمارس انفعالاتـِهاوجنونَها اللّذيذ وسطوتها على المتلقّي ..كتابة تشي بأجواء التّوق للتحرّرمن قتامة واقع ثقافيّوسياسيّ واجتماعيّ وقيَميّوازدواجيّة هذا الواقع المهترئ .. فأتت اللّغة في النّصوص رتقا لعُرْيِ الموجود وفتقا لعُرَى المنشود .... لقد نجح الدكتور رياض- باقتدار- في بناء عالم مرئيّ وتمكّن باللّغة الكاشفة المتينة ومنها أن يشرّح جسد الواقع ويقف على أهمّ عللهو لكنّه لم يقترح علاجا لهذه العلل ، وهذا كان مقصودا حتّى يترك للقارئ المساحة ليعايش المحن ويضرب في دنيا النّصوص بحثا عن ثقوب لم تُرْتَقْ .. عندما نقرأ قصّة " شاء القطار " نلمس هذه اللّغة الشعريّة الباذخة 79 – 80 ( ... إذا ما فتحت نعشي ووجدت جلدي اختلط بالتراب وعظمي يكسو لحمي ، فلا تجـزعـي فـقد شاء القطار ... ستدخليـن غرفتـي ، ويطاردك شبحي في كلّ ركن ، وتساورك أفكار وأحلام تقاسمناها ، فلا تجزعي ، فقد شاء القطار ... ههنا ملابسي القليلة مطويّة بنظام كما تحبّين ، لن ألبسها بعد اليوم ، فقد شاء القطار ... وهناك على طاولتي الصّغيرة بعض كتبي وبعض منّي دوّنته على صفحات لا حاجة لي بها فلم أعد أرغب في أن أكون دكتورا فقد شاء القطار... تبعثرت الأحلام وماتت الأمنيات فقط لأنّه شاء ... شاء القطار ... إذا سألك ابني عنّي قولي له : لا تركب القطار فوالدك يخشى عليك أن يشاء القطار . أمّا أنا يا حبيبتي فقد حملت أوراقي وسافرت أطلب حقّي عند ربّي وربّ القطار ..) . في هذا النصّ حكاية مختلفة مخاتلة مواربة ولغة شعريّة شفيفة ووجع قاتم .. هنا لعب الكاتب على وتراللّغة  و امتطى صهوتها وكان – بحقّ – ربّانا يقود سفينة السّرد بحرفيّة وذكاء .. إنّه يبني ذاكرة داخل الذاكرة : ذاكرة وليدة في رحم ذاكرة والدة .. حكاية الطّفل الصغير الذي وجده السّارد وتحدّث إليه.. الطّفل الذي فقد أباه وظلّ ينتظره ..ينتظر أبا رحل ليحضر له الطائرة الورقيّة .. هذه هي الذاكرة الوليدة المحضونة.. أمّا الذاكرة الوالدةالحاضنة فهي ذاكرة السّارد وهو يستعيد أحداثا قديمة عاشها مع والد الطّفل الذي مات خلال الحادث المروّع ، وظلّ ابنه ينتظر .. ذاكرتان هما عينان إحداهما مفتوحة على ماض قريب مفعم بالشوق والانتظار ، والثانية مفتوحة على ماض بعيد مفعم بالوجع والحبّ ... لعبة السّرد هنا مخاتلة تضع القارئ في مفترق اللحظتين الفارقتين بين الشعور بالاغتراب والإحساس بالضياع ..والكاتب هنا مدرك لما يصنع واع بما تقتضيهاللّحظة السرديّة من غموضو تعتيم..

في " شاء القطار " كان للحزن تفرّده وخصوصيته وكان للخوف سلطانه الجاثم على قلوب الشخوص ..قلب السارد وهو يستحضر ذكريات الوجع المقيت في عيني رفيقه وفي أوراقه التي تزخر بالهموم والخيبات والأشجان .. وقلب الصديق الذي يمخره ألم فراق الأمّ ...شاء السّارد أن يكون النصّ دفقا من عذاب وشاء القدرأن يكون الصّديق ذكرى مؤلمة تعبرإلى قلب الأمّ المكلومة ... على أنّ هذا النصّ كان فريدا في بنائه من رحم الاسترجاع و التوكّئ على سارية الذكرى ، و نجح المؤلّف في تحقيق المصالحة بين ماضيين التقيا لكشف قمّة الحزن والشّجن ..بعض النّصوص في المجموعة اتّسمت بأسلوب شيّق لذيذ رغم ما تحويه من وجع .. وفنيّة السّرد فيها عالية الصّوغ .حين يزداد اعتماد الكاتب على التكثيف في لغة رديفة للشّعر .. مشاهد من نثار الحياة ، وحشد من التفصيلات الدّقيقة المرهقة ، وحكايات أغلبها أصوات للعقل وأسماع للقلب ، يُزجُّ بها في ايقاعها المتوثّب دون أن تملك فرصة لالتقاط الأنفاس ، ثمّ شذرات من السيرة الذاتيّة تتقاطع مع بنياتٍ سرديّةٍ تتضافر حثيثا مع مشاهد جغرافيّة متنوّعة ومتقاطعة لا يجمع بينها سوى الأبطال في القصّة .

  * صور و تامّلات من وحي الأنا المتعدّد :

  ذاكرة المؤلّف تمزج بين الخاصّ والعام في نوع من التبادل والانسجام حيث المأثوروالفردي والميراث الجمعي يشتبكان بلا تفرقة ولا تصادم ، حتّى أنّ فعل الموت كحادثة يتمّ سرده بتلقائيّة لكنّها مشبوبة بحزن صامت ..حادثة الموت أو الميلاد في رتق الروح تبدو عادية لا تخرج عن المتعارف ، لكنّ  يد السّاردوعينه اليقظة المدرّبة تحوّلان الحكاية إلى متوالية سرديّة متدرّجة في دراميتها أو في فانتازيا الفرح فيها . تتداخل خيوط السّردو تتعقّد في مساحة حوار تتّسع لكلّ الرؤى والأفكار ، وهو حسّ روائيّ يذكّرنا بأعمال كبيرة مثل : ميرامار " لنجيب محفوظ ، لكنّ الحسّ السّاخر الذي يؤطّر بعض الأحداث يشعرنا في كثير من الأحيان أنّ الدكتور رياض جراد يحاول أن يوثّق فكرا أو يحدّد موقفا أو يرسيَ نظاما في الحياة عبر متواليات سرديّة وطرح فكريّ ناضج وواع بمتطلّبات العصر ومدرك لمتناقضاته ...

  صوروتأمّلات اقتضاها التعايش القسريّ أحيانا مع الواقع والمعيش في ظلّ بؤر مكانيّة تنهل منها الأنا المتعدّدة في علاقتها بكلّ ما حولها ومن حولها ..إنّ هذه الأنا تتشظّى إحساسا وفكرا وتتجزّأوتنشطر وتتوالد رؤًى وتأمّلاتٍ لتكون رحما حاضنا لكلّ ما يدور في المكان و ما يحتزنه الزّمان ..

  وقفت طويلا أمام النّصوص التي يختطّها قلم الدكتور رياض جراد لأسأل نفسي عن استراتيجيا الكتابة لديه ، وعن الطرائق الحكائيّة التي يعتمدها في السّرد ..ورغم المنحى المباشر في القصّ والحسّ السّاخر لديه والذي يمكن أن نستشّفه في كثير من نصوص المجموعة وعن رنّة الابتهاج بالحياة ورغم ما واجهناه من أحزان ومكابدة وشجن ونحن نتعقّب النصوص ، إلا أنّ هناك خيطا سرديّا متينا ساحرا يربط النّصوص ببعضها وهو قدرة الكاتب على الإبانة والرّغبة في الإفصاح والتوجّه الحثيث نحو الدّوائر البلاغيّة والجماليّة كي يحتويك السّارد عبر ما يبثّه في النصّ من صِدقيّة فنّيّة كبيرة يتوسّل له عبر لغة بسيطةوحكايات واقعيّة ، ومواعظ وكشوفات جماليّة تتحوّل في يديه إلى نهيرات تغذّي القصّة وتمنحها تداعيات خالقة ومنتجة ...

   في قصّة " رسالة" ص 28 ينبجس من الحوار الذي دار بين السارد وأمّه رغبة في تعلّم الكتابة ودهشة من الرغبة إذ أنّ الأمّ المتقدّمة في السنّ تطلب من ابنها أن يعلّمها الكتابة وهو يندهش لطلبها .. ( ما بال حبيبتي ؟/ علّمني الكتابة لقد أحضرت كرّاس خطّو قلما ، انظر لن أكلّفك شيئا ، فقط بعض وقت فراغك ./ الكتابة، وما حاجتك للكتابة ، وأنت في هذا السنّ ؟ إن أردت أن تقرئي أوتكتبي شيئا أخبريني ، وسأفعل ذاك من أجلك ، أمّأ التعليم في هذا السنّ ...فصعب .) . ولكنّ الأم الراغبة في تعلّم الكتابة تناضل لتحقيق رغبتها ليس من أجل الكتابة بحدّ ذاتها بل من أجل غاية أخرى أوصلنا إليها السّارد بأسلوب فنّي وطريقة للحكي آسرة ومؤثّرة .. إذ أنّالأمّ الأرملة كانت في سنّ الثمانين وكانت تحافظ على موعد زيارة زوجها والد توفيق في المقبرةوتجلس تحدّثه حديث الّصفاء والحبّ بل حديث العشق ..ص 30 ( فقد كلّ شيء بعدك لونه وشكله وطعمه ، كلّ الأشياء متشابهة .. الحياة رتيبة وبلا معنى ،  أراني متُّ مثلك ... دفنوك وغفلوا عن دفني ، فبقيت تائهة بين الأحياء طيفا ، لا يدركونني ولا أنا أجد لوجودي بينهم معنى ... لطالما أفقت صباحا على رائحة قهوتك تعدّها في برّاد الشاي ، تراقبها تغلي على نار الكانون ترقب فيضها ، كأنّه سيل حبّك الجارف ..) في هذا المقطع القصير تعظم المناجاة ويسمق الحبّ ويستحيل الكلام أنفاسا حرّى تنطلق من روح الزّوجة الأرملة التي تجيء إلى قبرزوجها تبثّه خواطرها وأنفاسها لتصل تلك الأنفاس إلى روحه حيث يرقد ..لكنّ طلب تعلّمّالكتابة يأخذ معنى شفيفا رومنسيا مؤثّرا إذ أنّ الزّوجة المحبّة تخشى أن يُقعدها المرض فلا تستطيع أن تأتي إلى حيث يرقد زوجها ..فهي تريد أن تخطّ له سطورا من روحها بمداد قلبها وأنفاسها ص33( لقد طلبت من توفيق أن يعلّمني الكتابة لعلّي إذا ما عجزت أكتب وجعي على الأوراق ...سأحدّث عنك وعنّي الطّير عند الشرفة ، وأبثّها حرقتي و لوعتي ..)

  كم هي صعبة تلك المهمّة التي يقوم بها الكاتب في إخراج الزّمن من ثقب يغور في أبعاد الوجود لأجل مكان يُحتضَر ، إنّها مهمّة صعبة حيث يبحث الكاتب عن علاقة عكسيّة موجبة بين الزمان و المكان ..كونٌ موضوعه التجاذب والتنافر ما بين العنصرين ينجح الكاتب- باقتدار- في امتلاك زمام أمره ومقود تسييره نحو نقطة لقاء حميمية بين الرّغبة في الفعل وتفعيل الرّغبة من خلال تطويع الأسلوب المنبني على فنيّات الوصف والحوار في سرديّة عالية ..

 العطاء قدرة عظيمة ، لكنّ الزّمن لا يمنحها ببساطة إلا أنّ الكاتب -على ما يبدو- هو وحده من يستطيع فعل ذلك .. تلك هي الصّور والتأمّلات تتوالد من رحم اللّحظة السرديّة و نتبجس من بين أصابع الكاتب الذي يصنع مستقبل الشخوص و يتنبّأ لها بأقدارهاو يقرّر عنها مصائرها .

هكذا بدا الدّكتور رياض جراد في رتق الرّوح مدركا لسلطة الفعل في الكتابة القصصيّة و سطوة النموذج القصصيّ الذي اختار الاشتغال فيه .. إنّه النموذج الحديث الذي يتحرّك في فلك الفنيّة العالية ويؤسّس منظومته الكتابيّة الإبداعيّة من خلال العودة إلى واقع الحياة في القرية والمدينة والحيّ الشعبي والأسرة الصّغيرة والأمكنة الزاخرة بالمتناقضات و العذابات والشقاء و الفرح الطفوليّ . لكنّها أمكنة في جلّها حبيبة إلى قلب الكاتب تصالحه مع ذاته و تعيده طفلا ينهل من ينابيعها و يلهو في ربوعها ..

 رتق الرّوح إذن هو رتق لذاكرة جماعيّة  ..

e-max.it: your social media marketing partner
on 02 تشرين1/أكتوير 2016
انشأ بتاريخ: 02 تشرين1/أكتوير 2016
الزيارات: 289

شتاء في حانة الصّحافيين

كن تافها كعادتك
باردا بما يكفي
سليطَ اللّسان
قذرًا
لكنْ...
                              اِقرأ المزيد...

لا تدّخرْ

لا تدّخرْ نبضا ولا حجرا فكلُّكَ في خطرْ دنياكَ..
آخرة الذين تحبّهم
وتصدّق الصحراء إكراما لَهمْ.
والياسمينة..

                          اِقرأ المزيد...

البرّاج  

ستُحبُّ كثيرا يا ولدي
و تُسافرُ خلْف الغيْماتْ .
و تُطارد كلّ أميراتِ العشْق
 
المرْسومات على كتُب التّاريخ
 

     اِقرأ المزيد...

 

أغنية متحركة

أنا القطعة الاثرية السالمة من الموت
اتشبث بفستانها الفضفاض
يا امي لماذا تعطيني
اسمها
 

                             اِقرأ المزيد...

أخضرُ هذا اللّيل 

طويل هذا اللّيل... بارد هذا الأرق... صاخب هذا الصمت... هامس هذا الموت... حارق هذا الغياب... جاثم هذا الحضور... !تعبتُ من السّفر وأرهقتني محطّات عواصم العمر...

                             اِقرأ المزيد...

اعترافات الابن أو قراءة في سيرة الأب 

إلى أبي يوسف
أنا ابنك المسيّج بالزيف والخداع
وحدي ألقيت نفسي في الجب يا أبي
وإخوتي براء من دمي

                             اِقرأ المزيد...