العدد لأول

الأسطوري والشعريّ في قصيدة "أرتميدا" لمحمّد الهادي الجزيري

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

من المدارات التي يراهن عليها المبدع أيّا كان مجال إبداعه، بعد الإنتاج والبحث في السّبل الكفيلة بتطويره وإثرائه، وهو في النصّ الأدبيّ مدخل ييسّر تحقيق البناء الجديد والإبداع والمختلف،

كما أنّه موصول بمبدأ التّجريب والخروج عن الأنساق. فعلى الشّاعر أن يلتفت إلى لغته التي هي مِلكه الخاصّ، لتصير موضوع عمله كمادّة للخلق والصّنع الملائمين لجماليات لا تقوم على تمثيل الموضوع، بل على خلقه وبنائه، واللّغة في الخطاب الشّعري تحتاج روافد تعضدها وتستثمرها وتطوّر بها كيفيّة إجرائها، ولعلّ الأسطوريّ من الرّوافد التي يستلهمها الشّاعر حتّى تنسج شعريّة القصيدة وفتنتها. ولعلّ أسطورة "أرتميدا" في ديوان "أرتميدا" مثّلت رهانًا شعريًّا جديرًا بالبحث والدّراسة.

 

قصيدة "أرتميدا"*  صفّة رئيسيّة من ضفاف ديوان الشّاعر محمّد الهادي الجزيري الصادر عن دار مسكلياني في طبعته الأولى سنة 2006، وهو رابع دواوين الشّاعر، وتلته أربعة دواوين أخرى، وهي قصيدة عماد في هذا الدّيوان، ينهض عليها بل إنه يستعير عنوانه منها، ولاسما أنّها تكاد تُناصفه حجما ورقيّا إذ تمتدّ على خمس وأربعين صفحة  من مجموع مائة وثلاث.

ومن وجوه أهمّية هذه القصيدة أيضا تجلّيها في عتبات النصّ (Seuils) إذ الإهداء الوارد في الصّفحة الثّالثة "إلى كلّ الذين توغّلوا في  العشق  والأحزان قبلي، والذين سينبعون من اليباب"(1) مقتطع من سطرين شعريّين في قصيدة "أرتميدا" أجرى عليهما الشّاعر تغييرا جزئيّا من خلال استبدال حرف الجرّ "إلى" بضمير المتكلّم المفرد "أنا".

"أنا كلّ الذين توغّلوا في العشق والأحزان قبلي

والذين سينبعون من اليباب"(2)

نضيف إلى ذلك الإضاءة التي ارتبطت في كيفيّة ورودها وفي موقعها من الدّيوان كاملا لا من القصيدة الأولى فقط، رغم كونها في الحقيقة مضيئة لطريق الأسطورة الموظّفة. وهكذا تكون قصيدة "أرتميدا" قطب رحى الدّيوان تجتمع فيها ضفّتان، ضفّة الأسطوريّ تضاف إلى ضفّة الواقعيّ.

ولمّا كانت "أرتميدا" مبنيّة على توظيف الأسطورة وجب النّظر أوّلا في خصائص توظيفها وحدود  إعادة تشكيلها والتصرّف فيها. وقد كان مقصد الشّاعر في ذلك تعميق شعريّة القصيدة وكشف وجوه جماليّتها.

 

1.   الأسطورة وإعادة التّشكيل:

انفتحت  القصيدة بالكذب، وهو أعذب ما فيها، "كذبوا عليّ..."(3)، هي لحظة التقطها الشّاعر الجزيري ليبني  عليها  توظيف الأسطوريّ، ويقدّ منها شعريّة تستلهم الأسطورة، ورتق منها رؤيا  شعريّة يتلبّس فيها النصّ الشّعريّ بالبعد الأسطوريّ لينهض على مبدأي التّحويل والتعدّد، تعدّد في أدوات التّحويل، وتحويل للمعنى الأسطوريّ. فيضفي الأسطوريّ بذلك على الشّعريّ إيحاء دلاليّا وأبعادا رمزيّة عميقة تجلو جماليّة القصيدة والجانب الفنّي فيها.

1- 1- التعدّد:

للأسطورة سمات تميّزها من غيرها من التّعابير الثقافيّة إذ أنّ موقع الأسطورة من سلّم طرائق التّعبير اللّساني، وطرائق التّعبير المُختلفة جليل يحظى بأهميّة بالغة. ويرى "كلود ليفي شتراوس" « Claude Lévi-Strauss »  أنّ جوهر الأسطورة لا يتجلّى في الأسلوب، ولا في طرق  السّرد، ولا في التّركيب، ولكن في التّاريخ المحكي(5). ولعلّ هذه الخصائص المميّزة للأسطورة توقع النصّ الشّعري في سطحيّة التّوظيف إذا لم يشتغل عليها ويسعى إلى ترويضها وتطويعها للشّعر. ولعلّ الوسائط اللّغويّة المتعدّدة التي توسّل بها الجزيري في "أرتميدا" قد تبلغ به إلى إجادة التّوظيف.

إنّ تعدّد الرّؤى النّابعة من توظيف الأسطورة متجلّية في المُخاتلة الفنّية لها، ففعل التّوظيف لم يستأنس بالأسطورة كما جاءت في المدوّنات والمعاجم، وإنّما أعاد تشكيلها فعدّدها ضمن الأسطر الشعريّة الأولى ليعلن  الشّاعر خرقه لها عبر توظيف أدوات، منها الاستعارة التي نهضت بوظيفة نسبة صفة النباح للحروف، حروف الشّاعر الفاعلة المستشرفة للمكان.

"تسبقني حروفي  النابحهْ"(6)

تتّحد اللّغة بالأسطورة في المجاز، وتلتقي الحروف التي تُكنّي عن اللّغة بصفة "النّابحة" المستدعاة من الأسطورة وتسبق اللّغة بما هي تفكير ووعي، لأنّ التّفكير متحقّق في اللّغة وبها.

ويمتدّ التعدّد عبر أداة التّخيير (أمْ) حاملة لتعدّد الصّور.

"ربّة للصّيد أنت/ أنثاي القديمة/ جواب لم أجده عند أهلي/ إلاه ضاع منّي/ اتّحاد هواجسي وحرائقي/ ورياح روحي/ اجتماع محرّمات الله والسّلطان في امرأة"(7)

منطلق التعدّد مستقى من الأسطوريّ حلقة بدء تتلوها دلالات الخصب والبهاء والذّاكرة "أنثاي القديمة" وكلّ قدامة فتنة تتّخذ جماليّتها في بعدها الزّمني، ذاكرة الحنين والوجود العالق بالذّهن ثمّ يتبدّى التّيه والتشتّت الباني للمعنى على أسئلة الحداثة، بما هي إحالة على المجهول والرّؤيا والكشف، الجواب مجهول، والذّات أضاعت إلاهها، وتداخلت الهواجس والحرائق ورياح الرّوح ومحرمات الله والشّيطان... ولعلّ استعارة الأنثى، استعارة كبرى تنفتح على الأسطوريّ، ويقيم به جماليّتها وتعدّدها، المرأة التي تنفتح على المجهول وعلى القدامة والسّلطة.

على أنّ عناصر التعدّد مجتمعة تنتمي إلى الأنا، إلى القائل والنّاطق بالمجاز فتنة وبوحا وسؤالا وجوديّا يستعيد الاستعارة. وقد حضرت الأنا بوسائط لغويّة متعدّدة أهمّها ياء النّسبة في سياق أوّل وضمير المتكلّم المفرد المذكّر في سياق ثان "أنا" يفيض على الصّور المتعاقبة ويخترق الشّعريّ والأسطوريّ لأنّه يُوظّفهما ويبني الخطاب عليهما، لتشكّل هذه الصّورة امرأة مجازيّة تجلّت بالكتابة، بالمعنى، باللّغة. ويتوالد عن التعدّد تعدّد يتفّع ويمتدّ، تعدّد أوّل لأرتميدا، لأبعادها ودلالاتها. وتعدّد ثان لمسمّى واحد تكثر تسمّياته وصفاته "جامع لأناي في لغة جديده/ حرّيتي ثورتي/ رغبتي في خلق أنثى..."(8).

وتمتدّ المساءلة، ويمتدّ التعدّد وتشتيت المعنى في مقاطع منها:

"أبحث عن طفولتي البعيده

عن قطّة هي أنت يا قنّاصة الأرواح

يا نبضي وحُمّايَ الشّديدهْ

يا عشبة النّبع في جدول السّنوات

ورعشتي في جدول السّنوات

يا جوعي ويا ظمئي  ويا لغتي العنيدهْ"(9)

ينبني التعدّد على النّداء في هذا المقطع ويتداخل المتكلّم المفرد بالمؤنّث المخاطب المفرد، فتحلّ الغائبة/ الرّمز الأسطوري/ أرتميدا في المتكلّم بواسطة اسم النّسبة، ويتحقّق الانتماء  الباني للمعنى النّاشئ بسلطة التعدّد، وتستحيل لغة متمرّدة ونبعا بائنا بعيدا ووجودا واعتلالا مربكا، والشّعر أرباك وفتنة كلمات.

ولعلّ إسهام التعدّد في تشتيت المعنى يجلو رؤية الشّاعر ورؤياه، موقفه وحيرته التي ينقلها إلى المتقبّل حتّى ينوجد بهذا الإحساس خاصّة أنّه تعدّد اقترن بضمير المتكلّم، وتجلّى في صور متتالية.

الفوضى أنا.../ أنا حشد من العشّاق.../ أنا الطّيف الذي.../ أنا الرّاعي.../ أنا الشّيخ الضّرير.../ أنا زير النّساء.../ أنا الجار الرّصين.../ أنا الشرطيّ والصّعلوك والمتسوّل الملحاح والرّجل الثريّ ونادل المقهى الخدوم/ أنا جميع الجالسين.../ أنا المراهق.../ بائع الورد الحزين.../ أنا ابن عمّك/ وابن حارتك القديمة/ وابن بلدتك المقامة في الشّمال وفي الجنوبْ/ وأنا الفتى..../ ابن السّبيل/ أنا الغريب... أنا الغريب(10)

وليس هذا التعدّد إلاّ مرحلة  من مراحل إنتاج المعنى الشّعري الموصول بتوظيف الأسطورة، تعدّد للذّات في صور حسّية (الرّاعي، الشّيخ، الجار، الشّرطيّ، نادل المقهى... إلخ) وفي صور تجريديّة (الفوضى، الطّيف، الغريب)، صور لفيض الذّات على الوجود في واقع تحاصره الفوضى (الفوضى أنا) والغربة النافذة. بل يتلوه انتقال إلى مبدأ التّحويل، تحويل الأسطورة لتتّخذ القصيدة معناها فيها.

1- 2- التّحويل:

إنّ المتتبّع لنسق القصيدة يلحظ تدرّجا من مبدأ التعدّد إلى مبدأ التّحويل، تحويل التصوّر المألوف في الأسطورة إلى معنى تستدعي منه القصيدة ما تروم توظيفه وتستبعد منه ما لا تروم.

"كذبوا عليّ

فأنا الطّريدة جئت أبحث عن ظلال  طفولتينا

عن بهاء صادني

ومضى بعيدا زاهدا في عقد دمعي

جئت أبحث عنك يا جرح النبيّ"(11)

لعلّ المتأمّل في هذا المقطع الشّعري يلحظ تحويلا للمصادفة التي اقترنت بالأسطورة(12) إلى قصديّة يفصح عنها تكرار الفعل "جئت" واللاّزمة "كذبوا عليّ".

فأنا الطّريدة جئت أبحث عن ظلال  طفولتينا

عن بهاء صادني

ومضى بعيدا زاهدا في عقد دمعي

جئت أبحث عنك يا جرح النبيّ"(13)

لم يخرج "أكتيون" للصّيد(14) بل تحوّل طريدة للبهاء، للبحث عن جرح، عن حبّ قديم عن رؤيا جديدة تكشف الوجود، تعبق عشقا للحياة وتذهب بالمعاني إلى منتهاها، إلى أقصاها، لأنّ ذات "أكتيون" تهب الأنا.

"بجنونها وجموحها وصهيلها"(15)

ويستحيل التّحويلُ احتواء مداره الذّات، ذات تنهل من نبع الطّفولة ببهائها وصفائها، ذات تنسج ثنائيّات حميميّة، الشّاعر وقصيدته، الفم وحلواه، الطّفل وحصّالته وأرجوحته، الفرح والخوف في امتزاجه الناعم مجتمعة.

"كنت لي... ما زلت لي

وإن انتهينا شاعرا وقصيدة

لكِ قطعة الحلوى ولي فمك... اتّفقنا

نلتقي أبدا هنا

في ضفّة اللّغة.. اتّفقنا

اتّبعي نزقي  إذن

فقد ادّخرت لك الأنا ... أو بعضها

بل كلّها بجنونها وجموحها وصهيلها

وكسرتُ قبْل لقائها حصّالتي

لنطير في أرجوحة

ونصيح من فرح وخوف"(16)

لقد توسّل الشّاعر أشياء الطّفولة وعوالمها، الحصّالة والأرجوحة والحلوى، امتزاج الفرح بالخوف في الصّياح، الإحساس السّامي وطهارة العشق الخفيّ في مبادلة الحلوى بالفم. هذا المعجم الطّفولي يصبغ على القصيدة شفافيّة وصفاء وطهارة تتشكّل لتميّز المعنى الشّعري وتميّز ملامحه. وهي صور يمتزج فيها الاحتواء بالتّماهي.

1- 3- التّماهي:

يتجلّى الاتحاد والتآلف في عبارات "اتّحاد/ تجلّت/ ارتدت/ اندسّت عميقا..."، في تماه بين المتكّلّم والمخاطب بين "أكتيون" و"أرتميدا".

 

"هل أنت ما يصبو إليه الشّاعر المفتون بالكلمات

أم أنت اتّحاد هواجسي وحرائقي ورياح روحي

واجتماع محرّمات الله والسّلطان في امرأة

تجلّت ذات ليل من كتابي

ارتدت رغباتي الحمراء

واندسّت عميقا في دمي

حتّى غدت سبا عنيفا للكتابة

أرتميدا... أرتميدا"(17)

يخترق الشّاعر الأسطورة ويعيد تشكيلها من خلال بُعد التماهي الذي تجلوه القصيدة بين الرّمزين الأسطوريّين "أكتيون" و"أرتميدا" حتّى أنّها تستحيل مسمّى، أو تحيل عليه، مسمّى "تحيط به المعرفة ولا تدركه الصفة"، مسمّى هو الحرّية والرّغبة والثّورة والتّيه والإيغال في العشق.

ويعبّر ضمير المتكلّم الجمع "نحن" عن الاتّحاد بين "أكتيون" و"أرتميدا" إذ يفيضان على العالم ويرتقيان إلى أعلى والعلوّ في هذا المقام صنو للإدراك وقرين له.

ها نحن فوق الحيّ

فوق النّاس والأيّام نُبصرُ كلّ شيء(18)

هو اتّحاد يظهر في أوّل القصيدة ثمّ يخفت ليظهر في نهايتها، وسبب خفوته تكثّف سرد الأسطورة ليستعيض الشّاعر به عن المعنى، عن المعجزات، عن السّكون وليستحيل التوحّد تماهيا أبديّا خارج المعنى، ولكنّه في الحقيقة معنى جديد.

ها إنّنا وجها لوجه:

خالق قلق يدخّن ما لديه من الخلايا والحروف

وبدعة مثلى تحدّق فيه

توشك أن تهمّ به

ويوشك أن يكفّ عن الكتابة

كي يعانقها عناقا خالصا لا عقل فيه.

تعبت من عقلي فضمّيني إليك وبدّديه

لكم أتوق إلى غياب خارج المعنى

ولكن أنت فيه(19)

هو معنى شاعريّ، معنى شفيف خارج المعنى المألوف، خارج السّكون. يتوق "أكتيون" إلى أن تخلقه الأسطورة، بعد أن أعاد الشّاعر تشكيلها من جديد، هي إعادة بناء عبّرت عنها طريقة الكتابة في الصّفحة الأخيرة من القصيدة(20).

لقد اخترق الشّاعر شكل القصيدة في نهايتها مثلما اخترق الأسطورة فسعى إلى تجويد توظيفها  عبر تشكيل مراحل التّوظيف توظيف في النصّ  الشّعريّ، هي مراحل التعدّد والتّحويل فكانت قصيدة "أرتميدا" جامعة إلى بلاغة الصّنعة رقّة الطّبع وشاعريّته. ولعلّ الصّنعة تتجلّى – فيما تتجلّى- في  اللاّزمة وختلاف التّكرار فيها.

2.   اللاّزمة ونجاعة التَّكرار:

عرّف معجم النّقد الأدبي التّكرار بكونه: "إعادة نفس الوحدة سواء كانت صوتا، أو مورفاما، أو كلمة، أو مجموعة كلمات، أو بيتا شعريّا... إلخ"(21)، وعدّه "مساهما في تشكيل اللّغة الشّعريّة"(22)، واعتبره لوتمان Lotman أساسا في بناء الشّعر.

وقد يبدو مصطلح التّكرار مقترنا في الظّاهر بإعادة المكرّر في تماثل لفظيّ مطلق دون إنتاج للمعنى، ولكنّه في الحقيقة غير متماثل وظيفيّا، لأنّ وحدات التّكرار تختصّ بمواقع مختلفة في مستوى العلاقات البنيويّة(23)، وإعادة الكلمة ليست إعادة آليّة للمفهوم، وإنّما هي ‘نتاج لمضمون جديد مختلف أكثر تعقيدا(24). فحدث ما لا يحتمل الإنتاج فقط، بل يقبل أيضا إعادة الإنتاج والتّكرار، ذلك أنّ الشّمس تشرق كلّ يوم(25).

هكذا نتبيّن أنّ تكرار اللاّزمة قد يثري النصّ بجماليّة المخالفة، إضافة إلى ما يحقّقه من مؤالفة وإعادة، فالعناصر المعادة فيه "تظهر الاختلاف في ما هي تفصح عن المتشابه، تؤلّف المفترق في ما هي تجمع المختلف"(26).

بعد هذا التّعريف الموجز للتّكرار بما يوافق سياق البحث لا بدّ أن نشير إلى هذا التساوق بين تواتر اللاّزمة الشعريّة في هذه القصيدة الأمّ "أرتميدا" وبين الوحدات المكرّرة فيها وهي متعدّدة. وإذا كانت اللاّزمة واحدة فالتّكرار متعدّد في أنواعه  ومواقعه، على أنّ سِمَتَي الوحدة والتنوّع تحقّقان التّكامل في تكريس المعنى الشّعري، المعنى الأسطوري الذي تجلوه القصيدة وتعبّر به عن شواغل الذّات الإنسانيّة.

 اللاّزمة (Refrain) "نوع من التّكرار تتعاود فيه مجموعة كلمات في نهاية المقطع من القصيدة بانتظام (...) وقد يكون مستقلاّ فيكون مقطعا كما قد يكون مكوّنا من مكوّنات المقطع"(27). ولازمة هذه القصيدة هي "كذبوا عليّ"، وقد تكرّرت أحد عشر مرّة فكانت محور توظيف الأسطورة، ومركزا من مراكز بناء المعنى فيها، انتشرت في القصيدة بأشكال بنيويّة مختلفة، ورغم أنّ حضورها كان منتظما فإنّ كمّ الكتابة الشعريّة من حيث عدد الأسطر متباعد تحكمه القصيدة ولا تحكمه القصديّة.

إنّ هذه اللاّزمة الشعريّة بمثابة العمود الفقري تشدّ من أزر بنيانها وتوثق صلتها بإنتاج المعنى في القصيدة، ولعلّ تكرارها ناهض بوظيفة التّذكير بالأسطورة كما أعاد الشّاعر إنشاءها، وكما أراد لها أن تكون. والدّليل على ذلك اقتران هذه اللاّزمة بضمير المتكلّم في السّطر الموالي للازمة.

كذبوا عليّ

عمدا أنا خلّفتهم في الظلّ

يقتسمون محصول المديح(28)

وإمّا بحضور الفعل المنسوب إلى المتكلّم المفرد

كذبوا عليّ

لم أشف منك...(29)

ولعلّ ضمير المتكلّم بما هو محيل على "أكتيون" في ظاهر القول الشّعري يحمل رمزيّة المروق عن القواعد واختراق النواميس المسطّرة وتجاوزها، وتلك صفة الشّاعر سواء أكان كاتب القصيدة أم أيّ شاعر حقّ، وبذلك يتقاطع الذّاتيّ مع الأسطوريّ في القصيدة وتتجلّى حميميّة المعنى الشّعري لأنّها  ليست مجرّد توظيف جافّ للأسطورة، وإنّما هي توظيف للأسطوريّ الذي يلامس نفس المتلقّي ووجدانه، لأنّ كثافة حضور ضمير المتكلّم تجعل ذاته معنيّة بالمعنى الشّعري متواشجة مع المعنى الأسطوري ولا سيّما عند قراءة النصّ والاستئناس به بإعادة قراءته.

وترتبط هذه القصيدة أيضا بلازمة  أخرى هي عنوان القصيدة وهي مدار التوظيف "أرتميدا... أرتميدا" هي لازمة ثنائيّة أو ثلاثيّة، "أرتميدا... أرتميدا... أرتميدا" أو هي نداء ومناجاة، هتاف للرّوح به يتشكّل المعنى الشّعري وعليه يتأسّس الرّمز الأسطوريّ. هي ربّة الصّيد في الأسطورة اليونانيّة وربّة المعنى الشّعريّ في القصيدة، هي جحيم في الأسطورة ملاذ في القصيدة، تحوّلها فتجعل منها كيانا شعريّا، رمزا شعريّا يسِمُه الشّاعر بالإنسانيّة وبالقدرة المُعجزة على الخلق وعلى الفعل، على الثّورة على السّكون.

اطمئنّي... لن أزفّ كيانك الشّعريّ للّهب الغبيّ

هواك يوغل في أناي

وأنت تزدادين إنسانيّة سطرا فسطرا

أنت معجزتي التي لا شكّ فيها

أنت آخر فرصة للأبجديّة كي تثور على السّكون(30)

وتستدعي هذه اللّوازم تكرارا تعدّدت مستوياته وتنوّعت أشكاله ليعمّق هذا التّوظيفَ ويذكيه، تكريسا لمقصد يرومه الشّاعر ويسعى إليه.

"أرتميدا" نصّ يفتنك من حيث لا تدري، يستدعي الأسطوريّ لكنّه يحدّ من سلطانه وأثره ويبقي للشّعريّ منزلته السنيّة خطابا متعاليا. إنّ العودة إلى الأسطورة في هذه القصيدة مغامرة محفوفة بالمخاطر بعد أن استنفذ الشّعر الحديث أو كاد، توظيف الأسطوريّ، منذ الستّينات والسّبعينات لكنّ بلاغة تقاطع  الشّعر مع الأسطورة يتجلّى في تشكيل المعنى بما يحقّق  تحريك تمفصلات القصيدة وخلق ديناميّة جديدة، ولعلّ من أسرار بلاغة التّوظيف فعل الاختيار، اختيار الأسطورة التي توافق الرّؤية الشعريّة والسّعي إلى الكشف عن عالم يحتاج إلى الكشف.

·       وهي كما عرّفها الشاعر في ديوان "أرتميدا" : تقول إحدى الأساطير الإغريقيّة إنّ الأمير 'أكْتِيون' خرج للصيد مع بعض رفاقه، وحين رغب في أخذ قسط من الراحة، نأى بنفسه بعيدا عن الرفاق بحثا عن مكان بارد، فقاده حظّه العاثر إلى كهف تستريح فيه ربّة الصيد 'أرتميدا'، فاطلع دون قصد على جمالها الإلاهيّ، فمسخته وعْلاً ونهشتْه كلابه المصاحبة له حتى الموت.

1-   محمّد الهادي الجزيري، أرتميدا، دار مسكلياني، ط 1، 2006، ص 3.

2-   المصدر نفسه، ص 22.

3-   م، ن، ص 9.

4-     Claude Lévi-Strauss, Anthropologie structurale, Editions Plon, 1974, 1ère Edi, p. 232.

5-   المرجع نفسه، ص 232.

6-   أرتميدا، ص 9.

7-   المصدر نفسه، ص ص 10- 11.

8-   م، ن، ص 12.

9-   م، ن، ص 13.

10-  م، ن، الصّفحات: 30 إلى 36.

11-  م، ن، ص 14.

12- Dictionnaire de mythologie Grecque et romaine, par Joël Schmitt, Larousse, Paris, 1991, 2ème Edit, p. 49.

13-  أرتميدا، ص 14.

14- Actéon : Héros grec : chasseur qui parcourut le domaine d’Artémis, sa protectrice. Mais la démesure le pousse à  rivaliser avec la déesse à sa prétendre meilleur à la chasse. Dictionnaire de mythologie Grecque et romaine, Op, cit, p. 1.

15-  المرجع نفسه، ص 15.

16-  م، ن، ص ص 14- 15- 16.

17-  م، ن، ص 11.

18-  نفسه، ص 16.

19-  م، ن، ص 50.

20-  أفرد الشّاعر الصّفحة الأخيرة من القصيدة بالكتابة على يسار الصفحة وقد اقترن هذا التّعبير الشّكلي بدلالة النّهاية، باختراق شكل الكتابة وهو اختراق أضيف إلى اختراق رواية الأسطورة.

21- Joëlle Gardes Tamine et Marie- Clause Hubert, Dictionnaire de critique littéraire, Armand Colin, Paris, 2004 p. 256.

22-  المرجع نفسه، ص 258.

23- Lotman (I), La structure du texte artistique, éd Gallimard, Paris, 1973  p. 198.

24-  المرجع نفسه، ص 192.

25- Genette (G), in, Bardèche (M), Le principe de répétition, éd L’Harmattan, 1999 p. 33.

26-  المرجع نفسه.

27- Dictionnaire de critique littéraire, p.  Op cit, 179.

28-  أرتميدا، ص 9.

29-  المصدر نفسه، ص 13.

 

30-  م، ن، ص ص 49- 50.

د. سمير سحيمي، تونس

e-max.it: your social media marketing partner
on 03 حزيران/يونيو 2016
انشأ بتاريخ: 24 تموز/يوليو 2016
الزيارات: 181

شتاء في حانة الصّحافيين

كن تافها كعادتك
باردا بما يكفي
سليطَ اللّسان
قذرًا
لكنْ...
                              اِقرأ المزيد...

لا تدّخرْ

لا تدّخرْ نبضا ولا حجرا فكلُّكَ في خطرْ دنياكَ..
آخرة الذين تحبّهم
وتصدّق الصحراء إكراما لَهمْ.
والياسمينة..

                          اِقرأ المزيد...

البرّاج  

ستُحبُّ كثيرا يا ولدي
و تُسافرُ خلْف الغيْماتْ .
و تُطارد كلّ أميراتِ العشْق
 
المرْسومات على كتُب التّاريخ
 

     اِقرأ المزيد...

 

أغنية متحركة

أنا القطعة الاثرية السالمة من الموت
اتشبث بفستانها الفضفاض
يا امي لماذا تعطيني
اسمها
 

                             اِقرأ المزيد...

أخضرُ هذا اللّيل 

طويل هذا اللّيل... بارد هذا الأرق... صاخب هذا الصمت... هامس هذا الموت... حارق هذا الغياب... جاثم هذا الحضور... !تعبتُ من السّفر وأرهقتني محطّات عواصم العمر...

                             اِقرأ المزيد...

اعترافات الابن أو قراءة في سيرة الأب 

إلى أبي يوسف
أنا ابنك المسيّج بالزيف والخداع
وحدي ألقيت نفسي في الجب يا أبي
وإخوتي براء من دمي

                             اِقرأ المزيد...