العدد لأول

أخضرُ هذا اللّيل

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

طويل هذا اللّيل... بارد هذا الأرق... صاخب هذا الصمت... هامس هذا الموت... حارق هذا الغياب... جاثم هذا الحضور... !

تعبتُ من السّفر وأرهقتني محطّات عواصم العمر... مللتُ الرّكض وراء ما لا يُدْرَك... شاقني الرّحيل عبر بوّابات الزّمن اللّاهث غير عابئ بي ولا بك...!

 

هذا الليل يلفّني وتدثّرني نجومه عبر كوّة صغيرة تمرّدت على ستائر النّافذة، وهذه الظلمة الحالكة تنعى إليّ أمنيّة كنتُ أرقبُها بوَلعٍ حذرٍ، وهذا الصّقيع المتسلّل إلى أعماق ذاكرتي يقهقه بصلف في وجه نشيج مدفأتي المتوهّجة حنقا... وهذا البيتُ، هذا البيتُ الذي عشقتُ بات يلتهمني بشراهة كأنّه يستعجلني الرّحيل... وها أنا بتُّ أحدّق في مرايا الكيان وأستجديها حتّى لا تتشظّى... أبتسم في وجه تلك المنتصبة أمامي في شموخ وكبرياء وجرذان الأوجاع والخيبات تقرضني نُتَفا نُتَفا. أربّتُ على كتفها وأواري دمعة يتيمة ما زلتُ مصرّة على الاحتفاظ بها لي، لي وحْدي وأكتم صرخة عنيدة أقسمتُ ألّا أجود بها إلّا على نفْسي وأنا ألفظ منّي النَّفَس الأخير...! 

ذي قلامي وقراطيسي تستغيث وتتوسّل إليّ أن أَنقذينا من صقيع النّسيان، فقد برّح بنا طول الانتظار وأشرفنا على الهلاك! تحتضنها عيناي  ببلاهة العاجز التائه هنا وهناك... يتهادى إليّ همسها الصّارخ من كلّ أركان البيت فتتماهى وزفرات أحشائي الملتهبة حسراتٍ...!

ترجُّني أصوات أطفال صغار كانوا يملؤون ذاك البيت المنير حبّا ودفئا، كانوا يملؤون بصخبهم وأحلامهم هذا البيت الشّاحب اليوم... أُنصتُ إليهم وقد تفرّقت بهم السُّبلُ وبدأت الحياةُ تُنشب أظفارها في جلودهم الطريّة! أراهم يُصارعونها بثبات من اهتدى إلى سبيله ويُخاتلونها بما لديهم من إرادة الشّباب والعزم على كسب الرّهان... أراني في رقصة بريق عيونهم المحتفية بالفرح فأطرب جذلا، وأراني في شحوب وجوههم وفتور أجسامهم وقد أنهكها الرّكض كما أنهكني قبلهم فأُدركُ وَهَنَ العمر منّي وما وهنت أحلامي وما توارت أمنياتي، بل أُبصر سمائي وقد هَمَتْ غيماتُها فأمطرتُ آمالا دهاقا! أعجبُ لهذه النّفس الحبلى أبدا برقيق الرّجاء ولطيف الانتظار دونما ملل!

آفاق الانتظار عندي بلا تخوم... ها أنا وقد أنفتُ السّفر تلو السّفر أنتظر عودتك لتؤنس وحشة هذا اللّيل وتدفئ أركان هذا البيت وتبدّد صقيع هذا الأرق الجاثم عليَّ...

سلام إليك... سلام إلى ألمانيا العظيمة... سلام إلى كلّ شبر هناك، جُبناه معا، ذات ربيعِ صيفٍ حارق، سكنّا فيه إلى الجوع والظّمإ، طيلة تسع عشرة ساعة باليوم، وما شكونا! لقد كان لرمضان هناك نكهة مميّزة بين قوم ينعمون بما لذّ وطاب كلّ آن وحين! سلام إلى مدينة بَيْرُتْ الجميلة وأهلها الرّائعين... ما زلتُ أنتظرك!

ما زلتُ أنتظر عودة أحبّة تطاردني أطيافهم بشراسة وما استطعتُ إلى نسيانهم سبيلا وإن حاولتُ! فهل تراهم يذكرون عبق الحضور ووجع الغياب؟!

ما زال بياض أوراقي ينتظر منّي وشما لذيذا يدهشه ويُسكره ويسكرني سكرا حلالا طيّبا...!

ما زال قلمي ينتظر منّي حرثا خصيبا يبشّره ببيدر عارم، فينعم بوارف جني...!

ما زالت روحي تنتظر منّي بوحا عميقا صادقا فتنتشي وتسكن إليّ راضية مرضيّة...!

ما زال ذمام العمر ينتظر منّي الإيفاء بوعود كانت رعودا تزمجر فيهتزّ لها الكيان انتشاء وأملا مترنّحا متمرّدا متجدّدا...!

ما زالت زهور حديقتي وشُجيراتها وسلاحفها تنتظر منّي ربيعا ولودا دافئا مزهرا...!

ما زالت بلابلي الصّغيرة المبثوثة هنا وهناك تنتظر منّي أن أزرد لكلّ منها قبّعة وصدارا وجوارب صوفيّة زاهية الألوان، كما عوّدتها سالفا، بل ما زالوا ينتظرون منّي أن ألعب معهم وأيّ لَعب! فارس وزكريا أبيا أن يصدّقا أنّي عاجزة عن استيعاب لعبهم الإلكترونيّة الحديثة، وظلّا ببراءة الطّفولة وحماسها يشرحان لي كيفيّة اللّعب وما دريا أنّ دماغي توقّف عن اللّعب منذ أمد! مرتضى لا يصدّق أبدا أنّي لا أحسن لعب الشطرنج وهو الطفل الفائز بالبطولة! تاج ينكر بشدّة ألّا أكون رياضيّة مثل أمّه فأشاركه رياضة التيكواندو التي برع فيها وهو ابن الستّ سنوات! يمن وزينب لا تصدّقان أنّي ما عدتُ أحسن القفز على الحبل ولا إنشاد محفوظات روضتيهما...!

جارتي العجوز المحبّة للثرثرة تلومني على عدم زيارتها وتعاتبني إن حيّيتها على عجل وأنا أحثّ الخطى لأصل في الموعد إلى عيادة طبيب الأسنان، بل وتلومني لأنّي أعتذر عن مشاركتها غيبة هذه وتلك وترميني بالكِبْر والعيّ وما درت أنّي لا أحسن الكلام همسا إلّا إلى ذاتي الكامنة في محبرتي التّائقة دوما إلى أن أفكّ عقالها وأرسمها على بياض ورقي...!

صديقتي تنتظر دائما أن أهاتفها أو أزورها... وما كلّفت نفسها يوما عناء المبادرة، بل كلّما عاتبتُها ــ وهذا لِماما ما يحدث ــ تعلّلتْ بما هو علَّتِي، فأضحك من نفسي التّي ما عادت تنتظر شيئا من أحد!

يا ويل ذاك الغد، يا ويلتي!

هذا الليلُ يعاتبني وينتظر منّي أن أطفئ الفوانيس حتّى يختلي بذاته ويختال مرحا بحلّة عتمته قبل أن يُداهمه الفجرُ فيخلع عنه وقار ظلمته!

أسأل نفسي وسط هذا الضّجيج الصامت الصّاخب: " وأنتِ، ما تنتظرين وممّن؟! أما لاح لكِ في سمائك نجم أو طيف أو ظلّ...؟!

تغيب نفسي تبحث عنّي في هذا الزّحام فلا تظفر بغير امرأة مرهقة قد غفت وهي تحتضن كتابا وأوراقا مبعثرة وطيفَ حلمٍ عابرٍ لاح في الأفق!

تهمس لي: ألا انهضي، فهذا الفجر قد انبلج، اصنعي لك جناحين وثِبي فوق تلك السنديانة الوارفة الظليلة وغنّي مع البلابل للإنسان، للحياة!

صمتت قليلا وقالت بصوت عال: "ولا حياة بلا عشق، ولا حياة بلا حِبر، ولا حياة بلا شدو! ألا فاغمسي همومك في دواتكِ وحدّثي...!"

يمينا، شمالا، نظرتُ... فما عثرتُ على غير أنايَ!

مساكن، ليلة 19 ديسمبر 2015

 صفية قم

 

e-max.it: your social media marketing partner
on 03 حزيران/يونيو 2016
انشأ بتاريخ: 24 تموز/يوليو 2016
الزيارات: 358

شتاء في حانة الصّحافيين

كن تافها كعادتك
باردا بما يكفي
سليطَ اللّسان
قذرًا
لكنْ...
                              اِقرأ المزيد...

لا تدّخرْ

لا تدّخرْ نبضا ولا حجرا فكلُّكَ في خطرْ دنياكَ..
آخرة الذين تحبّهم
وتصدّق الصحراء إكراما لَهمْ.
والياسمينة..

                          اِقرأ المزيد...

البرّاج  

ستُحبُّ كثيرا يا ولدي
و تُسافرُ خلْف الغيْماتْ .
و تُطارد كلّ أميراتِ العشْق
 
المرْسومات على كتُب التّاريخ
 

     اِقرأ المزيد...

 

أغنية متحركة

أنا القطعة الاثرية السالمة من الموت
اتشبث بفستانها الفضفاض
يا امي لماذا تعطيني
اسمها
 

                             اِقرأ المزيد...

أخضرُ هذا اللّيل 

طويل هذا اللّيل... بارد هذا الأرق... صاخب هذا الصمت... هامس هذا الموت... حارق هذا الغياب... جاثم هذا الحضور... !تعبتُ من السّفر وأرهقتني محطّات عواصم العمر...

                             اِقرأ المزيد...

اعترافات الابن أو قراءة في سيرة الأب 

إلى أبي يوسف
أنا ابنك المسيّج بالزيف والخداع
وحدي ألقيت نفسي في الجب يا أبي
وإخوتي براء من دمي

                             اِقرأ المزيد...