العدد لأول

قصة قصيرة : بدون شفاه

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

  قصّة قصيرة: بِـــــدُونِ شِفاهٍ  

 

أخذ يفكّر وهو في طريقه إلى قاعة الاجتماعات:

 وأخيرًا، تذكّرته الأحزاب بعد أن ظنّ أنها نسيته واستغنت نهائيّا عن خدماته الكثيرة.

في البداية كان المتحازبون يحتاجون إلى صوته القويّ وقدرته على ارتجال الشّعارات في التظاهرات والوقفات الاحتجاجيّة ضدّ الأوضاع

 

 وبعد أن طبقت شهرته آفاق المدينة المنتفضة، وصار يلقّب بالثّائر، أصبحوا يقترحون عليه نوعا آخر من الاحتجاج.

قال له كهل يُلقّب نفسه بالنّاشط، وهو يدسّ في جيبه رزمة من الأوراق الماليّة العابسة:

- خياطة الأفواه طريقة جديدة للاحتجاج المدوّي على تواصل سوء أوضاعك وأوضاعنا أيّها الثّائر. لقد شبعنا بالمماطلات والوعود ذات الحمل الكاذب. أليس كذلك؟

وتهافتت الأموال وطلبات خياطة فمه عليه حتّى تشمّرت شفتاه بعد مدّة، وانكشفت أسنانه، فصار يبدو ،طوال الوقت، كأنّه ضاحك هازئ من الأوضاع، فأقبل عليه نوع جديد من النّاشطين، يزرعونه في الصّفوف الأماميّة لإثارة غضب السّاسة وحشرهم في أوضاع تجلب لهم السّخرية والنّقمة.

لايدري هل كانت الثّورة نعمة أم نقمة على شفتيه.

 تذكّر كيف كان واقفا وسط المدينة التي بدت صامتة ساكنة في ذلك اليوم من أواخر عام 2010، عندما شاهد جماعة من النّاس يسيرون بشجاعة  نحو السّاحة العامّة بخطى واثقة وقبضات متشنّجة، فلم يشعر بنفسه إلاّ وهو وسطهم، يطلق العنان للسانه وصوته يهتف معهم: 

التّشغيل استحقاق، يا عصابة السرّاق.

يا نظام يا جبان، شعب تونس لا يهان.

وبين انطلاق أوّل مظاهرة في المدينة ضدّ النّظام، وهذه اللّحظة التي يضجّ فيها هذا العشّ بقرون الأحزاب المتناطحة ، مرّت الأحداث سريعة لاهثة.

جلس الثّائر كعادته،  في أحد الصّفوف الأماميّة قبالة منصّة بدت شاحبة اللّون، خالية من

معالم الاحتفاء بالضّيف الحكوميّ.

لماذا تأخّر الوزير اليوم عن الحضور؟

سمع أحد الجالسين خلفه يقول لصاحبه بنبرة ساخنة:

- أين ذهب الرّجال الّذين كانوا في العهد الآفل يتفانون في توشيح هذه الجدران بيافطات الأعمال والإنجازات، وتزيين هذا الأثاث، ولعق غباره، وفرش ثيابهم لنعال الحكومة البائدة؟

- إنّ معظمهم هنا لكنّهم بهيئة جديدة. انظر إلى وجه القوّاد القديم؛  جبين يحمل علامة سوداء من أثر الجحود والنّفاق، ولحية ينتف شعيراتها في كلّ حين انشغالا وقلقا.

- أراه وأرى صاحبه الذي كان يملأ بكلّ حزم القاعات والشّوارع بهتافات المبايعة والولاء لهِبة الأقدار ومخلّص الرّقاب وصانع الحياة. ألم تقرأ تصريحاته الأخيرة؟

-  طبعا وهل أنسى قوله إنّه ساهم في إشعال نار الانتفاضة والتّعجيل بسقوط رأس البلد؟

تساءل الثّائر بضيق وهو يتذكّر انتقال حياته من طور إلى طور:

هل كنت حقّا ثائرا ؟ لماذا صار الكثيرون يعتقدون أنّهم ساهموا في تفجير بركان الغضب في البلاد؟ أين الحقيقة؟

أفاق من شروده حين لامست يده فمه فعاد إليه الشّعور بالقلق لحالته الّتي أخذت تسوء كلّ يوم حتّى تردّى إلى الهاوية.

لقد صار فمه لا يشبه أيّ فم بشريّ من كثرة آثار الإبرة والخيط والرّبط والحلّ التي تراكمت عليه.

أحد أصدقائه خاطبه منذ أيّام وهو يتأمّل فمه الغريب بتقزّز مصطنع:

- يا أخي استر عورتك.

وقال له حلاّقه المفضّل بنبرة هجينة:

فمك صار بلا أبواب، وصرنا لا نقدر على قراءة أفكارك، واكتشاف خباياك من خلال شفتيك.. يلزمك ترميم للشّفتين حتّى تستعيد ابتسامتك الجميلة.

أمّا تلك " المناضلة " البدينة فقد قالت له غامزة بحاجبيها:

لولا خوفي عليك من شرّ النّاس لتبرّعت لك بشفتين..

كم ودّ الرّدّ على سخريتهم بكلمات كان لسانه يضجّ بها ! لكنّ فمه الفاقد لشفتيه خانه، فابتلع كلماته الصّامتة كما يبتلع مريض حبّات دواء بدون ماء..

هل يعرف النّاس أنّ حالة فمه هي الّتي كانت السّبب في مغادرة ذلك المسؤول الحزبيّ، منذ شهر مضى،  هذه المنصّة دون أن ينهي خطابه؟

  هل  إلى هذا الحدّ صارت ضحكته القصرية المزمنة ترسل رسائل مزعجة للمسؤولين؟

لماذا تأخّر الوزير عن المجيء؟

عليه اليوم أن يجعل الضّيف الحكوميّ المرتقب يهرب من هذه القاعة مهرولا من شدّة الانزعاج والحرج والاضطراب. هكذا طُلب منه ويد ناشطة تكرم جيبه بسخاء.

من أين يأتون بكل تلك الأموال؟

هل كانت أمّه تعدّه منذ الصغر لأمر كهذا؟

يذكر كيف كان فمه منذ الصّغر مملوءا دائما بالشّتائم والنّعوت المقرفة، وكيف  كانت أمّه تخاطبه بانشغال كلّما اشتكى لها صغير أو كبير من بذاءاته :

- لا أحد يدري ماذا يمكن أن يجلب لك هذا الفم النّتن مستقبلا.

يتذكّر كيف كانت أمّه، أيّامها، تضع على فمه ضمّادة لاصقة بتعلّة حماية البشر من شرّه.

البارحة خاطبها مازحا، مُغالبا عجز فمه عن النّطق السّويّ، فأدركت أنّه يريد أن يقول لها:

لماذا لاتغلقين فمي بلصاقة من تلك اللّصاقات القديمة لإخفاء بشاعة فمي؟.

تنهّد وهو يتذكّر كيف تأمّلت أطلال شفتيه ثمّ انفجرت بالبكاء، مردّدة بألم :

 ويح ابني! لم تعد له شفتان يطبقهما أو يعظّهما عند الشّعور بالنّدم أو الغيظ.

 ويحي! صار ابني عاجزا عن التبسّم لي والنّطق بكلمة أمّي وتقبيل جبيني.

وجاء الوزير في غير زينة أو احتفال، فتصدّر المنصّة، والقاعة لاتزال في صياح وجلبة،

كأنّ الحاضرين لم يشعروا بقدومه.

انبرت لهم تلك المرأة البدينة الّتي صارت بعد الثّورة تُعرف بالمناضلة بعد أن كانت منذ سنوات بائعة تفّاح، وبإشارة واحدة من يديها الضّخمتين، ران على القاعة صمت ثقيل.

في البداية، بدا خطابه متماسكا، وبدت حركاته متّزنة، لكنّه لم يلبث أن بدأ وجهه ينطق بعدم الارتياح، وهو ينظر بين الحين والآخر إلى  وجه غير ذي شفتين  كان جالسا قبالته في الصفّ الأماميّ، ولم تمرّ بعض الثّواني حتى صار يبحث عن الكلمات ، وبدا بعدها يغالب الضّحك، في غير انزعاج، ثمّ صارت كلماته ممزوجة بنوبات قهقهة وأخيرا وجد نفسه يقول للحاضرين مقهقها وعيناه لا تغادران ذلك الوجه :

سوف يكون لكم قطار مسافرين، ومستشفى جامعيّ، وكلّيّة طبّ..هاهاهاها.. ومسرح أثريّ، ومصانع، وسيصبح وادي الدّرب بالبلاد، يجري عسلا..هاهاها...وستزدهر زراعة التّين والزّيتون والتّفّاح..هاهاهاهاهاها..

وحين غادر الوزير المنصّة كانت عدوى القهقهة قد استشرت في القاعة، وانتقلت إلى الخارج حتّى عمّت كلّ ذي شفتين في المدينة،  لذلك صارت منذ ذلك اليوم مدينة غارقة في القهقهة، إلى أجل غير مسمّى..

ميزوني البنّاني / كاتب- تونس

e-max.it: your social media marketing partner
on 07 تشرين1/أكتوير 2016
انشأ بتاريخ: 07 تشرين1/أكتوير 2016
الزيارات: 151

شتاء في حانة الصّحافيين

كن تافها كعادتك
باردا بما يكفي
سليطَ اللّسان
قذرًا
لكنْ...
                              اِقرأ المزيد...

لا تدّخرْ

لا تدّخرْ نبضا ولا حجرا فكلُّكَ في خطرْ دنياكَ..
آخرة الذين تحبّهم
وتصدّق الصحراء إكراما لَهمْ.
والياسمينة..

                          اِقرأ المزيد...

البرّاج  

ستُحبُّ كثيرا يا ولدي
و تُسافرُ خلْف الغيْماتْ .
و تُطارد كلّ أميراتِ العشْق
 
المرْسومات على كتُب التّاريخ
 

     اِقرأ المزيد...

 

أغنية متحركة

أنا القطعة الاثرية السالمة من الموت
اتشبث بفستانها الفضفاض
يا امي لماذا تعطيني
اسمها
 

                             اِقرأ المزيد...

أخضرُ هذا اللّيل 

طويل هذا اللّيل... بارد هذا الأرق... صاخب هذا الصمت... هامس هذا الموت... حارق هذا الغياب... جاثم هذا الحضور... !تعبتُ من السّفر وأرهقتني محطّات عواصم العمر...

                             اِقرأ المزيد...

اعترافات الابن أو قراءة في سيرة الأب 

إلى أبي يوسف
أنا ابنك المسيّج بالزيف والخداع
وحدي ألقيت نفسي في الجب يا أبي
وإخوتي براء من دمي

                             اِقرأ المزيد...