العدد لأول

تمظهرات الذات في ديوان تجلّيات على حافة التجريد "

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

 

   تمظهرات الذات في ديوان  تجلّيات على حافة التجريد "  

للشاعرة بسمة المرواني

            بقلم فاطمة بن محمود / تونس

 

عن دار زينب للنشر أصدرت بسمة المرواني مجموعتها الشعرية الثانية بعنوان " تجلّيات على حافة التجريد " ( طبعة أولى / 2016 ) في حجم متوسط يمتد على 110 صفحات اختارت بسمة المرواني أن تنفتح على القراء دون  أن تستند على أي اسم شعري أو نقدي آخر ليتكفل بتقديمها للقراء.. و إنما اكتفت بتصدير لقصيد لها اختارته ان يكون بلا عنوان ..

 

     ضمن الحساسية الشعرية الجديدة في المشهد الأدبي التونسي التي بدأت تبرز و تنمو  بألوانها المختلفة نجد الشاعرة بسمة المرواني التي استطاعت بديوانها الأول أن تلفت الإنتباه إلى أنها أحد الأسماء المختلفة في هذه الحساسية التي اختارت أرضا خاصة بها لترعى كلماتها و تكتب قصائد لا تشبه غيرها و يبدو ان مجموعتها الشعرية الأخيرة " تجليات على حافة التجريد " أتت لتؤكد هذا..

     لعل أبرز ما لفت انتباهي في قصائد الديوان هو الحضور الطاغي لذات قلقة ضاقت بها الأرض فاختارت أن تعلو وتبحث عن مساحة تسعها بين الغيوم و ربما يمكن أن نتحدث بمعنى ما عن منزع ماورائي في قصائدها.

         نلاحظ هذا النزوع من خلال العنوان " تجلّيات.. على حافة التجريد " التجلّيات لغة من التجلّي و نقول تجلّى الأمر أي ظهر و انكشف، و التجريد كلمة المقصود بها " عملية فكرية يعزل فيها الإنسان صفة أو علاقة عزلا ذهنيا و يحصر فيها التفكير " ( معجم المعاني )  و الشاعرة هنا تحيلنا من خلال العنوان إلى مستوى ميتافزيقي تشهد فيه الذات الشاعرة نوع  من الانكشاف على عالم علوي يبدو غير حسي و يحتاج نوع من التأمل لإدراكه و ربما لذلك اختارت بسمة المرواني لغة خاصة تكتب بها قصائدها تغلب عليها النزعة الصوفية و يمكن أن نتبين ذلك من خلال تمظهرات الذات في ديوانها

كيف ذلك ؟

تجليات الذات :

عندما نتحدث عن الذات الشاعرة فنحن لا نقصد بالضرورة منتجة النص أو صاحبته بل نعني الذات كما تتجلّى داخل النص و لا يعني هذا أننا سنتعامل مع هذه الذات من زاوية رومنسية بماهي مصدر شعري  بل  بل سنحاول الكشف عن مكوناتها التي عادة ما تكون سالبة تجعلها في حالة تشظي و هذا يعني انه ثمة تغير في مفهوم الذات الشاعرة التي تبدو في الشعر القديم مصدر لكتابة تاريخ مجتمع فأصبحت الآن ذات منفعلة بالواقع  تشهد حالات مختلفة و متناقضة و بالنظر في ديوان " تجليات على حافة التجريد " للشاعرة التونسية بسمة المرواني يمكن ان نتمثل مستويات مختلفة لهذه الذات المرهقة :

الذات القلقة :

يمكن ان ننطلق من تحديد للذات الإنسانية وفق الفلسفة القديمة من انها ذات عاقلة تتميز بقدرتها على التفكير و التعقل و لعل اميز ما تنفرد به هذه الذات العاقلة انها قلقة تطرح الاسئلة و لا تستكين الى اجابة

و في هذا الديوان لبسمة مرواني يتجلى القلق كخلفية مهمة تتناسل منها اأسئلة التي لا تنتهي إلى أجوبة بل كل جواب محتمل يؤدي بدوره إلى سؤال آخر و لعل طبيعة كل اأسئلة التي تضج بها هذه المجموعة أنها تبحث عن الحقيقة تقول في قصيدة " مرايا على نبضات الأين " ( ص 10 ) :

هل قتلت الموت في ذراع الميتين ؟

هل كشفت غطاء الحقيقة

عن حقيقة المطلق النحيل

ما الحقيقة في موسيقى إنسان

يقرأ صفحات من كتاب مقدس  قديم ؟

ما الخطايا في تراتبية

تخشى حروف السماء في لغة الزارعين ؟

ماهو السؤال إذا كان عدميا

جنائزيا في تابوت الجواب القديم ؟

لا ادري ..

سأسير لأبحث عن البحث

في متاهات وجعي القديم ...

الذات المتعالية :

لان بسمة المرواني من تونس إحدى بلدان التي " ثارت " على واقعها نجد الشاعرة من جهة في حالة إحباط على اعتبار ما تشهده  تونس منذ " الربيع العربي " من انكسار جماعي اضطرها للتعالي عن الواقع و التسامي عما حولها  و من جهة أخرى حتى تغادر منطقة القلق لذاته الذي قد يؤدي إلى منطقة عدمية قد لا تضيف كثيرا الى الرصيد المعرفي و التجارب الحياتية التي تعيشها الشاعرة وهي بذلك لا تقصد تحقير هذا الواقع وإنما إعادة تشكيل رؤية تمكّنها من النفاذ اليه و من هذا المنطلق تختار الشاعرة التأمل في العالم العلوي بما هو انعكاس قيمي يعبر عن الحقيقة تقول في قصيدة " عرّافة يونانية " ( 37 ) :

تتعثّر في خطوط عينيها

عرّافة يونانية قديمة

تستشرف قَدَر الآلهة بألواح قلبها

أهمسُ لسري المعجون بأحبار الأزمنة

سأكتب عن تفاصيل السماء

بمرآة أرضي المقدسة .

و يبدو ان الشاعرة بسمة المرواني ترى ان الشعراء هم أبناء الله الذين يملكون الحق في النفاذ إلى عوالم الغيب و قد تستند في ذلك ان كبار المتصوفة استعانوا بالشعر لترجمة تجاربهم الروحية التي تفتح على المطلق و بما ان علاقة الشاعرة بالكتابة الشعرية حديثة لا تجعلنا نجزم بتأسيس عالم شعري ينفتح على الصوفية و لكن يمكن أن ننتبه إلى ملامح لهذا العالم التي تعبر عنه ربما في شكل تناص إيحائي يتجلى في استعمالها لمفردات بعينها ( الله، الغيب، اللوح، الطين، القدّاس، الصمت، الصدى، التجلي، الفناء، النبوءة، الروح، السماء.... ) و ربما نفهم استعدادها النفسي لولوج هذا العالم فتتحول بدورها إلى كلمة تبحث عن منفذ الى التحرر تقول في قصيد بلا عنوان اختارته في مفتتح الديوان لتصدير قصائدها  ( ص 5 ) :

لا تكتبوا وجع الله ...

فبشريتكم لا تسعف السماء

بأكثر من طين يمتاز بأصله العلوي..

المعاني هنا...
و هناك

أرسموا بوحكم المدقوق في شجرة

يحيط بماء أبديتكم .

الذات الرائية :

يقول الناقد عبد الله السمطي  متحدثا عن قصيد النثر انها " مزيج من الرؤيا و الرؤية فهي تحولت

إلى قصيدة " رؤيا " تبعا لشعرية الحداثة خاصة لدى أدونيس و تحولت الى قصيدة " رؤية " تحتفي بالمشاهد المحسوسة و التفاصيل الصغرى  مثلما نجدها عند سليم بركات و عباس بيضون و محمد الماغوط و غيرهم ...

يقول الفيلسوف الألماني مارتن هايدقار " إن شعر الرؤيا هو ذلك الضرب من الكلام الذي يرفع النقاب من البداية عن كل شيء و عن كل ما نتناوله و نتداوله بعد ذلك في لغتنا اليومية الجارية "

بهذا المعنى تصبح الرؤيا في الشعر حالة انكشاف لغوي عن عالم المطلق و لذلك تهمل بسمة المرواني البحث في التفاصيل و تغرق في تأمل ما تكشفه لها اللغة تقول في " عجين الأنوار " ( ص 80 ) :

بألوان المطلق...

عين الله منثورة في تجاعيد الزمن

ساعات دهشة منغمسة في ظلال العزف

فنجان قهو يكسو عروق الذات بنكهة الحيرة

أقرأُ بصوت جغرافية .. شعرا بلا حبر...

و الجسد كما الروح يصرّ على الغرق

في تعويذات قدسية الترنيمة .

من هنا نفهم ان شعر الرؤيا يتمثل في الانفتاح على تجربة إنسانية تعبر عن رفض المجتمع و ترتبط بأسرار الكون لذلك لا تعتمد بسمة المرواني على الحس و لا تلزم نفسها بالوصف بل نجدها تعلو بواسطة اللغة عن الأشياء و تنقل ما تشعر به في طقس روحي خاص تقول في لقصيدة " صياغة الذاكرة " ( ص 88 ) :

عند الجذع الضارب في نور الاشتياق..

أمنح عن جسد القلب عرق الزمان

أحلّق بين السماء و أطراف النجوم

و أغسل عن ذاكرتي

نتوءات الاندهاش بماء الهوى

أتوضأ برحيق العزف

صلاة للجمال

و اهطل

بحضورك في سكوني

نبيذا معتّقا بالشفاه.

و لعل ما يعنينا في ديوان بسمة المرواني ليس البحث عن أفكارا و معاني و إنما الحالة التي تقدمها بما هي فضاء من الانفعالات و الصور و الأخيلة و تداعياتها ضمن ما يمكن أن يسمى تجربة أو رؤيا و لعله في هذا اإطار يمكن أن نفهم موقف أدونيس في كتابه " زمن الشعر "  ( الطبعة الثالثة ص 287 ) من أن القصيدة القديمة التي كانت تنفرد بتقديم المعلومات و الأفكار و تطورها الذي جعلها تشتغل على الحالة الشعرية بكل تجلياتها

من خلال ما تقدم نكتشف ان الذات الشاعرة عند بسمة المرواني ذات متشظية لا ترى و لا تشعر و لا تحلم و لا تفكر ثم تكتب بل انها تكتب أثناء النظر و من خلال الشعور و أثناء الحلم و من خلال التفكير لذلك ترد مجمل قصائدها حالات إشراقية بمعنى ما تعبر عن ملامح تجربة شعرية لا تشير إلا إليها و تختلف فيها عن أبناء جيلها الى حد كبير .

     أظن ان اختيار بسمة المرواني لهذا الحقل السيميائي الذي يميل إلى التعبيرات الصوفية إنما يرد كموقف تجاه رداءة الواقع و هيمنة البراغماتية في العلاقات الإنسانية و تكشف عن إحباطها من ربيع عربي لم ينشر سوى الخراب و الفوضى المدمرة لهذا أَنَتْ بنفسها بعيدا عن الوعي السائد تبحث عن شفاء من اليأس و اختارت لذلك البحث في المطلق و ملامسة الحقيقة و إذا كانت الفلسفة الصوفية تعترف انها تذهب بعيدا في تجلياتها و لا تصل فان الشاعر أيضا  لا يعنيه الوصول بقدر ما يعنيه مكابدة البحث و ترجمة هذه التجربة الذوقية في قصائد تغلب عليها الذهنية و التي لا يتمثلها سوى الخاصة .

ما يشبه الخاتمة...

أعتقد انه يمكن تقسيم اللغة الى مناطق جغرافية أو بالأحرى تنزيل اللغة وفق مجالها المستعمل فإذا كانت ثمة لغة تتلمّس المحسوسات و تهتم بالتفاصيل اليومية فانه ثمة لغة تتمثل المفاهيم و تبحث في المجرد وتتماهى و المتخيل و من خلال هذا التقسيم ستختار كل لغة مفرداتها المستعملة و استعاراتها الرمزية وفي هذا الإطار نلاحظ أن المعجم اللغوي للشاعرة بسمة مرواني في ديوانها " تجليات على حافة التجريد " يزخر بالمفردات التي تحيل على موقفها من العالم وتماهيها في الوجود .. لهذا ترد الألفاظ مضمّخة بالرؤى و التخيل و العشق و يبدو أن المرواني تحاول ان تبتكر داخل اللغة تراكيب تعبر عن حالاتها النفسية و الذهنية تماما مثلما يقول أدونيس في كتابه " مقدمة للشعر " ( الطبعة الأولى ص 126)

" لغة الشّعر ليست لغة تعبير بقدر ما هي لغة خلق(... ) إنّ الشاعر يمزج - بواسطة اللغة - بين الواقع والخيال من هنا نفهم تعامل الشاعرة مع اللغة كصلصال تنحت بواسطته معنى و تعبر عن حالة و تترجم فكرة .

بهذا المعنى نلاحظ ان الصورة الشعرية عند بسمة المرواني ليست علاقة حسية  بين لفظ و شيء بل هي علاقة افتراضية بين لفظ و حالة و لذلك ألاحظ ان المرواني لا تقوم بتصوير واقعي عن عالم موجود بل تقوم بتمثّل تجريدي عن عالم متخيل  من ذلك مثلا في قصيدة " غيب مشهود " ( ص 72 ) :

أوراق تسترخي على منضدة الفراغ

الحبر يهرب من كأس الليل

إلى زاوية شبه مضيئة من المحراب .

و لا تخلو هذه الصور الشعرية في ديوان بسمة المرواني من موسيقى لا تتمثل ضرورة في الوزن الشعري أو القافية  بل تتجلى في ذلك الإيقاع الداخلي المتناسق للغة وهي تعبر عن حالات شعورية متجانسة و تمثّلاتها المشهدية في إطار مهارة التخيل الشفاف نقرأ مثلا في قصيد " قناع الروح الأخير " ( ص 97 ) :

سكون يتحدث عن إيقاع الضجيج

الحزن يركض في حدائق الشهيق

أنا عبور الضوء في باقات الرحيق

الجسر ممدود بين أذرع النشيج

عاثر هو النبض في دوامة الرحيل

و الحب يستيقظ من ذاته كسيف

لا تسقط يا قناع الروح الأخير .

اعتبر أن بسمة المرواني تكتب قصيدة بنبض الأفكار التي تسكنها و التي تجعلها تختلف عن السائد الشعري لجيلها تبدو في الظاهر في قطيعة كلية مع الواقع في حين انها في الحقيقة تعيد تشكيل هذا الواقع بعيدا عن قيمه المستهلكة و التي أفرغت من دلالاتها الإنسانية و المرواني تسعى من خلال قصائدها إلى إعادة تركيب العالم وفق مفهومها للمطلق الذي يستوعب حقيقة الانسان و عمقه الجوهري .. و ان كنت أراها رسامة فلن تكون لوحاتها إلا في إطار المدرسة السريالية التي تجعلها تطلق أفكارها و تتحرّر في تخيلاتها كطريقة لإدانة الواقع و الاحتفاء بالإنسان في زمن أعلن فيه فلسفيا عن موت الإنسان.

 

 

 

e-max.it: your social media marketing partner
on 21 كانون1/ديسمبر 2016
انشأ بتاريخ: 21 كانون1/ديسمبر 2016
الزيارات: 185

شتاء في حانة الصّحافيين

كن تافها كعادتك
باردا بما يكفي
سليطَ اللّسان
قذرًا
لكنْ...
                              اِقرأ المزيد...

لا تدّخرْ

لا تدّخرْ نبضا ولا حجرا فكلُّكَ في خطرْ دنياكَ..
آخرة الذين تحبّهم
وتصدّق الصحراء إكراما لَهمْ.
والياسمينة..

                          اِقرأ المزيد...

البرّاج  

ستُحبُّ كثيرا يا ولدي
و تُسافرُ خلْف الغيْماتْ .
و تُطارد كلّ أميراتِ العشْق
 
المرْسومات على كتُب التّاريخ
 

     اِقرأ المزيد...

 

أغنية متحركة

أنا القطعة الاثرية السالمة من الموت
اتشبث بفستانها الفضفاض
يا امي لماذا تعطيني
اسمها
 

                             اِقرأ المزيد...

أخضرُ هذا اللّيل 

طويل هذا اللّيل... بارد هذا الأرق... صاخب هذا الصمت... هامس هذا الموت... حارق هذا الغياب... جاثم هذا الحضور... !تعبتُ من السّفر وأرهقتني محطّات عواصم العمر...

                             اِقرأ المزيد...

اعترافات الابن أو قراءة في سيرة الأب 

إلى أبي يوسف
أنا ابنك المسيّج بالزيف والخداع
وحدي ألقيت نفسي في الجب يا أبي
وإخوتي براء من دمي

                             اِقرأ المزيد...