العدد لأول

معتقلات.. ورغبة في التحرّر

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 


    معتقلات.. ورغبة في التحرّر   
          أحمد بن إبراهيم / تونس 

قراءة في رواية في المعتقل للكاتب محمّد عيسى المؤدّب

صدرت هذه الرواية الواقعية بتاريخ 2013 في 168 صفحة من الحجم المتوسّط عن الأطلسية للنشر. وللكاتب محمد عيسى المؤدب إسهامات أدبيّة أخرى منذ أواخر الثمانينات .. له مجموعة قصصيّة بعنوان " عرس النار " الدار العربيّة للكتاب 1995 .. ومجموعة قصصيّة أخرى بعنوان " أيّة امرأة أكون " الأطلسيّة للنّشر 1999 ، كما أنه لم يتأخر عن إثراء الساحة الثقافية الإبداعية في تونس من خلال برامجه الثقافية في الإذاعية الوطنية.


ربّما أنا محظوظ لأنّني عشت ( ولو على مسافة ) تلك الأجواء الحامية بحلوها ومرّها سنوات بورقيبة ثم بن علي. ثورة الخبز والتحرّكات النقابية التي أثّرت في نقابيي الجوار..وهذه الرّواية تعيد لنا بعض تلك الأجواء وتحفّز الجيل الجديد على أن يعتدّ بذاته وأن يرعى القيم الجميلة ..
اليوم نحن بصدد كتابة ثورتنا، نعم ، رغم تلك القراءات المستعجلة للتاريخ.
هذه الرواية التي أحاول تقديمها في هذه الإطلالة المختصرة والمتشظّية أراها قد كتبت من طرف أغلبيّة الشعب التونسي ( بقطع النظر عن الجانب التّخييلي).. ولا أعتقد أنّها تندرج في ما يسمّى
ب" أدب السجون " لأنّ مسألة التّصنيف في الرّواية التونسيّة مازالت تمثّل إشكالا لدى عديد النقّاد رغم اجتهادات بعضهم على غرار الأساتذة محمود طرشونة ومصطفى الكيلاني وأحمد ممّو ( انظر مجلة قصص 165 \ 2013 ).
جاءت نهاية هذه الرواية مفتوحة، فاتحة أفُقُها للقارئ لكي يملأ فراغاتها. وهي كذلك شهادة حيّة على فترة " الدكتاتوريّة "، هذا الغول الذي طالما أتعب الشعب التونسي من – بورقيبة إلى بن علي -
في المعتقل رواية واقعية نظرا لالتحامها بالواقع التونسي والكاتب كان وفيّا لاختياره ومغامرا بحيث كان التوتّر تيمة ثابتة من البداية إلى النهاية ، معبرا بذلك عن نفسيّة المواطن التونسي في هذه المرحلة التاريخيّة دون عقد . فالكاتب يسمّي الأماكن بأسمائها ثمّ يحدّد التواريخ ( زمن الأحداث ) وربّما الشخصيات كذلك هيّ واقعيّة. ( وهنا من واجبي أن أذكّر بمسألة تقنية مهمّة . ربما نوضّحها في فرصة قادمة بالاعتماد على المراجع الأكاديمية وهي ذاك الالتباس بين الشخص والشخصية الروائية ).
العتبات:
أورد الكاتب قولتين في الطرف الثاني من غلاف هذه الرواية،يقول إدريس منصور:
" الرواية ليست سيرة الفرد، إنها بعض الوقائع من سيرة جيل.."
وتقول أماني السحباني :
" خطأ جيلنا هو عدم وعيه بسؤال الحرية وتفريطه فيها بغباء وارتباك.."
ثم قولة زبيدة أمين ( وهي إحدى شخصيات الرواية ..):
" ستتعلّم الأجيال القادمة ممّا حدث لكي تتصدّى للمعتقل.."
كما جاء الإهداء في شكل شهادة من الكاتب إلى أماني وهي إحدى شخصيات الرواية. (ص9) يقول :
" إلى أماني السّحباني في رحلة الانبتات.. أراك في شارع الحبيب بورقيبة بلا ذاكرة.. ها أنّي أكتب الرواية كما وعدتك..
إلى إدريس منصور في أسئلة التشظّي والتّيه.. ستظل تمشي على جمر وقلق.
أهديك نسخة من الرواية لكي لا تنسى..
إلى كيان ينهض من رماده.. "
وإنّ كل هذه الأقوال، وهي عتبات تؤكّد على قوّة المضمون الذي تناوب على سرده هؤلاء الشخوص.
العنوان:
" في المعتقل " هو عنوان الرّواية وموضوعها وكذلك مدارها. فهذا العنوان يحيلنا إلى دلالات وظيفية عدّة منها دلالة القوة / الضعف وهي ثنائيّة مشكّلة لدوائر الصراع.. وتوجد ثنائيّات أخرى لا تقل أهمية مثل القدريّة / الاختيار والغموض ( غموض بعض الأسرار حين يخبرنا الراوي ببعض الأحداث فنراها غير مكتملة.. ولعلّ إجاباتها كانت إيحائية بين طيّات النص. وربّما هو استدراجٌ اشتغل عليه الكاتبُ ليثيرَ ذاكرة َالقارئ بما أنّه جزء من موضوع الرواية .- ص 76 يقول :
" ينام الشعب مقهورا وحزينا .،سينام أجل، الرؤساء لا ذاكرة لهم ولا وجع ينوؤون به.."
"هو لم ينتخبه الشعب المسكين، زكّته أمريكا وأجهزت المخابرات دلّست الانتخابات والأغبياء صدقوا أنهم اتخبوا رئيسهم وأنا واحد من الأغبياء.. الرئيس ينام ولا يقطع نومه إلا ليردّ على مكالمة في خطّه السرّي :
- أجل سيدي الرئيس، نفذنا كل التعليمات.. المعارضة تحت السيطرة والطلبة المشاغبون في المعتقلات، نفذنا أيضا ما أملاه علينا السيّد جيمس بيكر وزير الخارجية في مجالات الاتصال والإعلام والتعليم والاقتصاد وسنتقيّد بكل تعليماتكم سيّدي..
تنقطع المكالمة وتنهض زوجة الرئيس وتسأل في تغنّج :
المهم. هل لمست في كلامه موافقة على تزكيتك من جديد "
( هل يعدّ هذا توثيقا ؟ )
هل هذا الخبر حدث فعلا في الواقع المعيش في تلك الفترة ؟ هذا ما أقصده بالأحداث غير المكتملة. والتي تركها الكاتب لتكتمل من قبل القارئ بما أنه جزء من موضوع الرواية. ويمكن لي أن أقول كذلك أنّ هذه الأحداث في تفاصيلها ليست سوى قوادح تتعانق وتتصادم لتظهر وجهة نظر الكاتب.
والمعتقلات ( المادية ) كما جاءت في الرواية هي :
السجن / مستشفى الرازي / كلية الآداب بمنّوبة / مقرّ الجريدة / كهوف الظلاميين المتاجرين بالدين /
هذه المعتقلات المادية تشي بمعتقلات نفسية لم تسلم منها شخصيات الرواية.
ومن الدلالات الأخرى المضمرة داخل النص والتي التي تصوّر " المعتقل " هي الساحات العمومية التي صارت ضيّقة بفعل تحرّكات رجال الأمن وهم يتصيّدون كل " مشتبه به " وهذا من شأنه أن يساهم في تنامي الفوضى والانفلات.. ( فيكون القتل بسبب أو بدونه سيّان )..
بداية الرواية :
( ص 11 ) :
" شارع بورقيبة يوم السبت 15 جانفي 2011.. الساعة السادسة صباحا..
" هروب الطاغية وسقوط دولة الفساد "
" تونس تنتصر على الدكتاتور "
" إعلان حالة الطوارئ وحظر التجوال على كل مجموعة تزيد على ثلاثة أشخاص "
" تحية إكبار للآلاف من المتظاهرين في شارع الحبيب بورقيبة "
" القبض على عائلة الطرابلسية بمطار تونس قرطاج "
" القنّاصة يروّعون الشعب "
" مصرع سلفي بجهة المنزه "
تهافت الناس على بائعي الجرائد. تزاحموا وهم يقرؤون الخبر الموجز :
" عثر أعوان الأمن بجهة المنزه على إثر مكالمة هاتفية مجهولة على جثة كهل يرجّح أن يكون من التيار السلفي داخل فيلا. وكشفت التحقيقات الأولى أنه قتل طعنا بسكّين. وأغلب الظنّ أن الجريمة وقعت مساء أمس.. كما أفاد شهود عيان أنّهم قرأوا على أحد الجدران كلمات كتبت بلون أحمر " انتقمت وتحرّرت مثلما تحرّرت البلاد من الجلاد "
يجري التحقيق مع وجوه يسارية متطرفة في المنطقة وسنوافيكم بتفاصيل الجريمة في أعدادنا القادمة "
الجميل والذي استحسنته كثيرا في هذا العمل الثوري هو هروب الكاتب ما استطاع من الانزلاق في فخ التداعي المثقل للكتابة الإبداعية شعرا ونثرا. كما نأى عن " التسجيليّة الفجّة " رغم تتالي بعض الأحداث وقد سيق بعضها خطيّا كما أنه أعطى الأولوية للمشهدية والحركة معتمدا على أنواع الوصف وخاصة التبئير.. كان الكاتب ممسكا بالفكرة وأحكم التصرّف في العناصر الفنية التي استدعاها لأسلوبه منها التنويع في الخطاب وكانت النتيجة رواية شيّقة.
الزّمن:
يتجلّى عنصر" الزّمن " بوضوح وهو وحدة سرديّة طريفة في هذه الرواية لأنّه يختزن عنوانها وأراه كذلك، هو الخلفية " الفكرية " حتى من وجهة نظر شموليّة. فالزمن في إيقاعه المختلف يحيلنا إلى صيرورة الحياة، فلكلّ بداية نهاية و" دوام الحال من المحال ، والحيّ يروّح يا بوها " مهما طالت غربته.
ونهض الزمن على التشظي أي تهشيم الخطية الزمنية ( كرونولوجيا ) وهو نتاج الحالة النفسية لدى البطل وكذلك بعض الشخصيات الأخرى، بمعنى آخر هو ذاك " القلق الوجودي "
الشّخصيّات:
سأكتفي بالشخصيات الرئيسية.. نظرا ( لضيق المجال.. )
البطل هو الصحفي إدريس منصور / صديقته وزميلته أماني / زبيدة أمين / رئيس تحرير الجريدة التي يعمل بها البطل إدريس منصور..
البطل متشبّع بالأفكار الثوريّة دون أن يتناصّ مع نماذج من الثوريّين الذين اشتهروا عالميا . وهذا يزيد من التأكيد على خصوصيّة هذه المرحلة التاريخية في تونس . البطل ينحدر من وسط شعبي معدم ورغم الروح النضالية الكامنة في أعماقه فإنّ الخوف من السلطة الحاكمة كان يعتقله . يمكن لهذه السلطة الغاشمة أن تعيق لقاءه بأماني صديقته ( وحبّه الكبير وكذلك هي صداه)، كان صبورا ولم يسقط في " سوق السمسرة بالمبادئ ويخون مواقفه التقدميّة "
أماني ،شخصيّة واثقة من نفسها، وهي الفتاة المناضلة الرافضة لكلّ أشكال الدكتاتورية والمنادية بالديمقراطية.. هي معتقلة بذكريات أليمة .. موت والديها، وضعيتها الاجتماعية الصعبة ، غربتها في بلدها وهي المرتدية للحجاب ،فقد أسرت في كهوف الظلاميين المتاجرين بالدّين وعذّبت كثيرا في فيلا بالمنزة 1 ثمّ وقع اغتصابها من قبل سلفيّين ثمّ رميت بشماتة في معتقل آخر هو مشتشفى الرازي.. ( ص 33. 34 ) .
زبيدة أمين أرملة تبحث كيف تسترد حقّها وحقّ زوجها من ( أصحاب القرار ) الذين افتكوا من زوجها مصنع الأحذية ثمّ قتلوه .
رئيس تحرير الجريدة هو بحدّ ذاته يعاني الاعتقال من السلطة الحاكمة ومن توصياتها فينعكس هذا "الهمّ " على الصحفيين العاملين معه..
الحكاية ولو باختصار..الصحفي إدريس منصور وقع في حبّ زميلته أماني أيام كانا طالبين بكلية الآداب بمنّوبة. ولكن سطوة الواقع الرديء حالت دون تحقيق اللّقاء بينهما وتتويجه. وإن ضاعت أماني في نهاية الرواية فلا يعني ذلك نهاية النضال ، بل هو بدايته لأنّ أماني تصوّر الحرية بشكل أو بآخر. والحرية مسألة حياة أو موت عند كلّ إنسان يعي معناه في هذا الوجود.. قد قال أحد الشعراء " أيّ معنى أكون .. وأيّ معنى أخون " لذلك كان لأماني أصل ثابت في هذه التربة التي لم يحترمها إلا المناضلون الشرفاء من أبنائها.
كما لا يفوتنا بأن نتوقّف ولو قليلا لنبحث في خطّة الكاتب وهو يحاول الإلمام بهذه الحقبة التاريخيّة التي ارتكزت عليها فكرته بما فيها من طرح الأسئلة وكذلك تصوير الواقع ( فنيّا ) فلم يغب عنه العنصر الكوميدي كعامل " تثويري " كم يتجلّى في هذا المشهد ( ص 62)
" يقول عون الأمن وهو يعذب في صديقهم الطالب " فيصل " :
سنريك معنى حقوق الإنسان يا حيوان، أتعلّمنا شغلنا أيها الرخيص.؟
هجموا عليه ومزّقوا ثيابه حتى مثل أمامنا عار تماما.. أمروه بالالتفات إلى الجدار ورفع يديه وساقه اليسرى وراحوا يطفئون سجائرهم في ظهره ومؤخرته وساقيه وقدميه، قهقهوا مثل الأبالسة عندما تعالت صرخاته وتشنّجت، دوّت كمثل انفجارات تنبعث من باطن الأرض.. "
ثمّ هناك صور أكثر بشاعة ولم يفبركها الكاتب بل حدثت فعلا ومات الكثير بسبب وحشيتها في سجون بورقيبة وبن علي.. هنا أراني أسأل هل أنّ هذا المشهد يعدّ من الكوميديا أم من التراجيديا ؟
يقول الراوي وهو بطل الرواية ( ص 13 )
" يوم السبت 8 جانفي 2011 ، الساعة العاشرة صباحا. كنتُ في مقهى ساحة العملة على غير عادتي اليومية، في العادة أنهض باكرا وأمضي إلى باب الخضراء لتناول فطيرتي الصباحية من يد العمّ ابراهيم، أتناولها بنهم حتى أنسى لسعات البرد القاسية وفي الأثناء يهتف لي العمّ ابراهيم :
- لماذا لاتأتيني بالجرائد القديمة يا إدريس ؟ هههه إنها لاتباع يا شقي فماذا تصنعون بها ؟
أجيبه وأنا أغادر الدكان الذي يوشك على السقوط :
- نمسح بها الأحذية هههه.. وهي لا تصلح لكَ..
أمضي على عجل إلى مقرّ الجريدة وتتناهى إليّ قهقهات العمّ ابراهيم المحبّبة لديّ، إنها مزيج عجيب من التراجيديا والكوميديا، أعتقد أنه لا أحد يحسن صياغتها غيره. "
أعتقد أن العم إبراهيم الذي ينهار عليه سقف دكّانه في نهاية النص فيموت يمثّل جزءا من الذاكرة الجمعية، بل الأجمل أن كلّ " العناصر " التي بنت هذا المتن بما في ذلك " الأشعار " عبارة عن ذاكرة شاهدة على مسار الحياة في تونس من الاستقلال تقريبا إلى يوم 15 / جانفي / 2011. ( وحتى بعض من ملامح المستقبل )..
رواية في المعتقل أحرفها من نار وماء، أحرف كانت تترجم جرسا هو هدير الشعب. فإن خبا هذا الهدير للحظة زمنية سيعود بأكثر قوّة ليدفن مظاهر الظلم والظلمات، تغيّرت في تونس بعض الأمور نعم، ولكن نعود لنؤكّد على أنّ دور المثقف التونسي لم و لن ينتهي . وهذا ما يجب أن نؤكّده لشعوب العالم، لا أقصد أولئك ( الفئة المنتفخة البطون من الثّقفوت النجّس وهم كفئران - الشاعر أمل دنقل التي تضحك ملء عدوانيتها على كل القيم الجميلة بدعوى - ما عادش أتعيّش اليوم مثل البارحة .. روحي روحي..؟ هذا خطابهم الرخيص مثلهم )
الكتابة مسؤولية ياااا.. يحاسبنا عليها التّاريخ الذي انتصرت له هذه الرواية بامتياز.. كما انتصر شرفاء تونس للتاريخ .. أدعوكم إلى قراءة هذه الرواية

e-max.it: your social media marketing partner
on 08 تشرين2/نوفمبر 2016
انشأ بتاريخ: 08 تشرين2/نوفمبر 2016
الزيارات: 245

شتاء في حانة الصّحافيين

كن تافها كعادتك
باردا بما يكفي
سليطَ اللّسان
قذرًا
لكنْ...
                              اِقرأ المزيد...

لا تدّخرْ

لا تدّخرْ نبضا ولا حجرا فكلُّكَ في خطرْ دنياكَ..
آخرة الذين تحبّهم
وتصدّق الصحراء إكراما لَهمْ.
والياسمينة..

                          اِقرأ المزيد...

البرّاج  

ستُحبُّ كثيرا يا ولدي
و تُسافرُ خلْف الغيْماتْ .
و تُطارد كلّ أميراتِ العشْق
 
المرْسومات على كتُب التّاريخ
 

     اِقرأ المزيد...

 

أغنية متحركة

أنا القطعة الاثرية السالمة من الموت
اتشبث بفستانها الفضفاض
يا امي لماذا تعطيني
اسمها
 

                             اِقرأ المزيد...

أخضرُ هذا اللّيل 

طويل هذا اللّيل... بارد هذا الأرق... صاخب هذا الصمت... هامس هذا الموت... حارق هذا الغياب... جاثم هذا الحضور... !تعبتُ من السّفر وأرهقتني محطّات عواصم العمر...

                             اِقرأ المزيد...

اعترافات الابن أو قراءة في سيرة الأب 

إلى أبي يوسف
أنا ابنك المسيّج بالزيف والخداع
وحدي ألقيت نفسي في الجب يا أبي
وإخوتي براء من دمي

                             اِقرأ المزيد...