العدد لأول

جماليات السرد في أقاصيص ناجي الجوادي

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم
 

مارس الكاتب ناجي الجوادي أصنافا مختلفة من الكتابة منها ما تعلق بالصحافة حيث كان مراسلا جهويا ولكنه كان يمنح فرص كتابة المقالات والبطاقات واللوحات السردية ومنها ما تعلق بالأدب حيث كانت له إسهامات قصصية وشعرية ومسرحية مختلفة وهو ما جعله يعتبر لسنوات عديدة من الوجوه الفاعلة في المشهد الثقافي في القيروان والبلاد عامة

ولكن تجربته القصصية تظل الأبرز في كل ذلك النشاط . قد يكون جيل ناجي الجوادي بدأ في الانزياح عن أجيال التأسيس وظهرت في زمنه مشاغل أخرى وبدأ الإحساس بنوع من الخيبة المحلية والقومية اعتبارا لخصوصية المرحلة فهو جيل النكسة ومرحلة التعاضد واستمرار الفوارق الاجتماعية وكذلك تواصل بناء الدولة الجديدة بنوع من التعثر..في ذلك الواقع بمختلف تجلياته توغلت الكتابة القصصية عند ناجي الجوادي فالتقطت منه طرائفه ونوادره ومشاغله وتناقضاته وصورت شخوصه ويومياته ومن تلك المرحلة الأدبية التي كان يغلب عليها الالتزام بقواعد الفن الأدبي وظهرت فيها نوازع التغيير والتجريب والبحث عن تمظهر جديد للنص الأدبي والسردي اختار الكاتب الوفاء للكتابة القصصية التي تولي عناية للجانب الفني وتلتصق بالواقع وتحاول نقده وتغييره ...والحقيقة أن أقاصيص ناجي الجوادي تبعث متعة في نفس المتلقي ففيها حكايات شيقة بلغة جميلة وشخصيات تثير الكثير من الفضول وتزيد القارئ رغبة في متابعة التطورات.وقد عبر الدكتور صلاح الدين بوجاه عن هذه المتعة والقدرة الخارقة لأقاصيص ناجي الجوادي قائلا: "يروي حكاياته في بساطة مركبة هي البساطة ذاتها التي تستهوينا لدى كبار كتاب القصة القصيرة في العالم فنسلم أنفسنا إلى هدهدتها الأليفة تطوح بنا بعيدا من الريف إلى المدينة إلى البحر إلى قطارات العواصم الكبرى وإذا بتفاصيل الواقع وألوان العجيب والتماع الخرافة تنظفر مثل جديلة سكرى منبثقة من شعر حريري متهدل يحكي حزمة من أشعة الشمس ساعة الغروب وقد شابها احمرار طفيف من لون الشفق..." ان شهادة بوجاه تضعنا أمام ملاحظة هامة في هذه التجربة وتلقي بنا في ملامحها وتدفعنا إلى ما فيها من جماليات فتلقي بنا أمام روح الشعر وطرافة النصوص واذا بهذه التجربة تحتضن التراث وتزاوج بين الذاتي والموضوعي وإذا الكاتب يلف بين طياتها الكثير من الأسئلة والإشارات وكلها عوامل تثبت ثراء نصه القصصي... 1. حضور الشعري: فهو يكتب قصصه بلغة لا تخلو من مظاهر الشعر وصوره القصصية تحضر فيها روح الشاعر المرهف على نحو ما شرحه الأستاذ حمودة الشريف كريم في مقال كتبه تعليقا على مجموعته القصصية الأولى حيث قال: "إن الصورة عند ناجي الجوادي ليست متكلفة و لا مصطنعة بل هو الإحساس الدقيق، فصوره الشعرية تتدفق من القلب و تنبع من المشاعر، " ويستدل حمودة الشريف على قوله بمقطع قصصي قال فيه الجوادي: "شعرها حريري" يحكي حزمة من أشعة الشمس ساعة الغروب و قد شابها احمرار طفيف من لون الشقيق ..." (ص 11) وأضاف معلقا:"....فالطبيعة عنده كائن حي به مشاعر، تتفاعل مع حبيبته فتهبها الجمال و الإبداع ...إن ناجي الجوادي في صوره لا يعمد إلى الإيغال في الخيال حتى الغموض بل هو يحاول أن يلقيها إليك بسيطة جميلة محببة إلى نفسك....إن طابع الشاعرية يسم الصورة بميسم خاص، و يميزها عن غيرها من الصور العادية التي تلف حياتنا و تنشئ أحلا منها، فناجي الجوادي كما عهدته شاعرا ينتقي كلماته ليبدع صوره و يجعلك تشعر بها و كأنها ليست غريبة عنك بل تدخل حياتك لتشاركك أحلامك و تفضح مشاعرك." إن الإفراط في هذه اللغة الشعرية جعل الناقد وكأنه يتحدث عن تجربة شعرية تأثرا منه بما في هذه القصص من صور وجمل شعرية . 2. فن الاضحاك لعل من الخصوصيات اللافتة في تجربة ناجي الجوادي طرافة نصوصه وغلبة الطابع الهزلي عليها وهي سمة ظاهرة في النص السردي التونسي في العقود الأولى من الاستقلال حيث تبرز روح التندر والتفكه في تجارب عديدة منها تجربة علي الدوعاجي الذي يعد أبا للقصة التونسية الحديثة... فهو يكتب ناجي الجوادي نصا ساخرا يصف فيه شخصياته وصفا ساخرا كما يلتقط له نوادر من الواقع المعاش ولكنه اعتمد تقنيات أخرى للإضحاك ومنها: *-الفضح فبعض الشخصيات يفتضح أمرها وتنكشف لعبتها وحيلتها ويتعرى وقارها وصدقها للقارئ أو للشخوص التي تشاركها الحبكة السردية فالعمدة صاحب المنصب والمسؤولية يفتضح أمام القراء باعتبار انكشاف حيلته وتحيله على المواطنين حيث يصور الكاتب تحيله عليهم وغمسه للفئران في الدقيق حتى يحتفظ به ويحرمهم منه رغم فقرهم الشديد وانتظارهم الطويل "دخل الدكان أغلق الباب وراءه بإحكام وضع اللفافة على منضدة صغيرة...مد يده إلى اقرب كيس مملوء بالدقيق تناول منه حفنة لطخ الفئران الثلاثة بحفنة الدقيق حتى غدت بيضاء في لون الدقيق...فتح الباب وهو ممسك بأذيال الفئران الميتة وجعل يؤرجحها أمام الوجوه التي علتها الدهشة وأحس أصحابها بخيبة الأمل...قال لهم رافعا الفئران الميتة إلى أعلى كي يشاهدها الناس: ماذا تريدون؟لا تشاؤون إلا أن يشاء الله...ليس لكم حظ...أكياس الدقيق تعج بالفئران....." إن هذه الحيلة تعري العمدة وتكشف تحيله وخيانته وتلاعبه بالناس ولكن الغريب هو اقتناع الناس في النهاية ومرور العملية دون تفطن "غمغم الجميع: فعلا المسؤولية....المسؤولية....تفرق الناس باكياسهم الفارغة...."91...92 هي السذاجة بدورها وهو الصراع بين المتحيلين والبسطاء وهي إشارة سياسية مهمة.. ومن الفضائح الأخرى ما نجده في قصة اللحم فيفتضح الشيخ الوقور الذي كان يدعي للناس انه يتغذى باللحم يوميا رغم حالة الجدب حيث فاجأته حفيدته أمام خلانه وجلسائه الذين كان يستغفلهم وأعلمته أن القط أكل الشحمة التي يمسح بها شاربيه قبل خروجه "كان شيخا ذا مظهر مهيب بجسمه الضخم وشاربيه الأشيبين وعمامته البيضاء....وكان في كل لقاء تفوح منه رائحة الدسم فيعلم جلاسه إنه تغذى أو تعشى باللحم فيعجبون لذلك كل العجب....وكان أحيانا يتكلف التجشؤ بصوت كالقرقرة ليظهر الشبع المفرط وامتلاء البطن وذات يوم وبينما كان في مجلسه المعتاد أقبلت عليه حفيدته الصغيرة مسرعة لتقول له معلنة: جدي جدي الشحمة التي تدلك بها شاربيك أكلتها القطة" ص47 *-التلاعب باللغة فالكاتب ينحو منحى العرب القدامى في التندر باللغة والبحث عن الإضحاك بواسطة ما تتيحه من إمكانيات للتلاعب بالمعنى ولعل نموذج قصة العصر خير ذليل على هذا فالشيخ سأل الفتى"هل يباع الليمون بعد العصر؟"وهو سؤال محير ينكشف جوابه عندما نعلم أن المقصود ليس صلاة العصر وإنما عصر الليمون "الليمون لا يباع بعد العصر...هل تفهم؟ -ربما إذا أغلقت الدكاكين التي تبيعه بعد العصر.... -لا يباع حتى إذا بقيت مفتوحة وبها أصحابها... ابتسم أبي للشيخ الممتحن ونظر إلي نظرة كسيرة فيها من التقدير والإعجاب به أكثر من رجاء الإشفاق علي والرأفة بي...انبسطت أسارير الشيخ العالم العليم لقد انتصر علي وفاق علمه علمي: اسمع يا أحمق...إذا اشتريت ليمونا وعصرته في المنزل هل تستطيع بيع قشوره بعد ذلك...أليس الليمون لا يباع بعد العصر؟ ص101 *هزل التبرير ومن أساليب الإضحاك الأخرى عرض تبريرات مضحكة وغريبة يطرحها الشخوص في ورطاتهم ويحاولون بها التخلص من مآزقهم من ذلك هذا الزوج الذي تزوج حسناء وطلقها نظرا لخيانتها له وعوضها بدميمة المنظر وهو ما دفعه للاقتناع باستعادة الزوجة المومس: "استعادة عيشة بكل مساوئها أو الاحتفاظ بالزوجة البشعة...وضح الأمر لديه تمام الوضوح أما أن يأكل العسل بمشاركة الآخرين أو يأكل البصل وحده...العسل شراب مختلف ألوانه حلو مذاقه فيه شفاء للناس وشدد على كلمة الناس قائلا الست أنا واحد من هؤلاء الناس أما البصل فتعسا له..."ص37 أما الفارس الذي ترك حصانه حذو عجوز وذهب ليزاحم الصفوف من أجلها فاستغلت الفرصة وأمرت ابنها بإخفاء الحصان وسرقته فلما عاد وسأل عن دابته أنكرت وأجابته قائلة: "رؤياك هذه يا ولدي حبلى بالبشائر....الخيل فغي الحلم تعني الخير وهو معقود بنواصيها فالدنيا مقبلة عليك بالنعيم وطيب العيش والفرس الذي رأيت في منامك انك تركبه هو ما ينتظرك في الدنيا من خير عميم وثراء لا أول له ولا آخر ....."ص51 أن اعتماد هذا الأسلوب سبيل إضحاك لكنه يخفي رسالة ريبة من مجتمع صار يبرر الباطل وهو موقف مبطن من الواقع... 3. الميل إلى الأشكال القصصية القديمة غلبت روح التندر والغمز على القص العربي القديم فظهرت الكثير من الأنواع القصصية الساخرة التي خلدت وتناقلتها الأجيال وأثرت في التجارب اللاحقة ومازالت هذه الخاصية تستهوي الكثير من كتاب السرد العربي اليوم.ولعل من أبرز هذه الأنواع النوادر والمقامات ونحن نذكر في المجال الأول الكثير من كتابات الجاحظ وخصوصا كتاب البخلاء كما نذكر في باب المقامات مقامات الهمذاني والسيوطي فهذه الأنواع القصصية العربية كانت نصوصا ساخرة تحمل بين طياتها مضمونا هزليا وأخر نقديا ساخرا وموجعا . ولعل الكاتب ناجي الجوادي قد تأثر بهذه الكتابة السردية العربية القديمة فنحى منحاها في اغلب نصوصه السردية التي عجت بالتفكه والإضحاك والسخرية ولكن بين طياتها الكثير من النقد والصفع وهذا ديدن الكتابة القصصية العربية القديمة . ونستشف هذا الميل إلى القص العربي القديم في نصوص عديدة ومنها ما توفر في أنين الكراسي حيث تقوم أغلب نصوص المجموعة على مقومات أدب النادرة فهي نصوص قصيرة الحجم وظريفة اللغة وشيقة الحكاية تقوم عقدها ومداراتها على نوادر معينة مستقاة من الواقع اليومي ومن أعماق المجتمع التونسي بعضها تعلق بالساسة والبعض الأخر تعلق بالمعلمين والتلاميذ أو بالأزواج... فالقصة تدور حول نادرة تخيلها الكاتب أو استعادها من ذاكرته وقد تكون هذه النادرة مستقلة في كامل النص اوتظهر في آخره بعد أن انتهج لها الكاتب طريقا سرديا آخر غير مألوف فبعض القصص تظهر فجأة داخل نصوص سردية قد يخيل للقارئ أنها مجرد خاطرة أو مقالة في شأن ما...على نحو ما نجده في نص "القرع" الذي يبدأه الكاتب بالحديث عن طفولته وحكايته مع غسل اليدين بعد أكل اللحم ثم يتطرق إلى ظاهرة القرع المنتشرة في تلك الأيام والتي كان تأثيرها مهما في الحياة المدرسية ويستعرض بعض مظاهر هذه الظاهرة ثم يسرد حكاية صغيرة هي نادرة مخالفة للسائد وفيها نوع من الإضحاك والتألم في نفس الوقت حيث يطرد المعلم التلميذ الوحيد المعافى حتى لا يصيبه بقية الزملاء المرضى بالعدوى "روى بعض الناس أن إحدى المدارس الريفية ذات الفصل الواحد والمعلم الوحيد أصيب كل تلاميذها بداء القرع إلا تلميذا واحدا لم يلحقه أذى وخيف عليه من العدوى وقد رأى معلمه من الحكمة وسداد الرأي أن يأمره قائلا: -ابق في البيت ولا تأت إلى المدرسة حتى يشفى رفاقك"ص7 والملاحظ في هذه النادرة أو لنقل الواقعة الغير مألوفة استعادة السند والمتن والمحافظة على ظاهرة الراوي وان ورد الراوي غير دقيق هنا وهذه أيضا من سمات القص العربي القديم التي حافظ عليها الكاتب في عدة مواضع... لقد حافظ الكاتب على ما في القص القديم من خفة وإيجاز وطرافة والتقط من الواقع الكثير من الوقائع الطريفة التي تعلقت بالشأن التربوي والتعليمي الذي أكثر من تصويره باعتباره مربيا عاش تلك العهود ونذكر من الطرائف ما ورد في قصة ملابسنا ومنديله وهي قصة تروي حكاية معلم أكول يكثر من الأكل في القسم وجرت عادته أن يمسح يديه في ثياب تلاميذه وكان لا يفعل ذلك مع الراوي لأن ثيابه قديمة ويوم جاء له والده بثياب جديدة طلب التلميذ من سيده أن يمسح يديه في ثيابه ففعل وعاد التلميذ مبتهجا .. هي يوميات مختلفة و لم يكن قرب الكاتب من المشهد السياسي باعتبار عمله ليمنعه من التهكم على الساسة في عدد من النصوص من ذلك نصه "وتفصلوا بقبول الشتيمة"وهو النص الذي قام على نادرة سياسية وقد أورده في شكل بطاقة صحفية إذ وضع له تقديما صحفيا ولكنه تحول إلى سرد طرفة حصلت في أحد الاجتماعات"وملخص هذه الواقعة أن مطالبة الأهالي للمسؤولين بنظافة حيهم جعلتهم يستمعون إلى ردود مسيئة لهم "وعند سماع هذه الردود التي كانت تنهال كالصفعات على الحاصرين قال احدهم همسا للرجل الذي بجواره"ظريف هذا الاجتماع التانيبي الذي دعينا إليه....لم يبق غير أن يفركوا لنا أذاننا بدل المصافحة عند الخروج ويقولوا لنا شكرا على تفضلكم بقبول الشتيمة" ص94 فالكاتب متأثر بالسرد العربي القديم دون أن يلتزم بنواميسه وأشكاله...لقد كان ميالا إلى التندر والتفكه والسخرية معتمدا روح هذا الأدب غير محافظ إلا على القليل من شكلياته.... 4. الواقعي والسيرذاتي نهل ناجي الجوادي من المذهب الواقعي فشخصياته نماذج من البيئة التونسية وحكاياته تدور في البيئة التونسية لذلك تشكل كتاباته صورة تاريخية عن الواقع الاجتماعي التونسي وخصوصا في العقود الأولى من الاستقلال كما تعد في جوانب منها صياغة لحكايات وطرائف تم تداولها في الأوساط الشعبية وفي هذا نقتطف قول الدكتور حاتم النقاطي: "... حرص ناجي الجوادي على أن يقيم مع الذاكرة الشعبية مواعيد لا يدركها إلا الذين خبروا قدرة «الفلكلور» على التعبير عن حقيقة ما يختلج بالنفس الإنسانية وما يتأجج داخلها من محبة وشوق ل»رمز» أول «مقدّس» أول «مفهوم» كذلك يكون الولوج إلى ذاكرة الأمم بفتح بوّابات عفويتها وانخراطها التلقائي في السلوكات الآلية فتكون هي الشاهدة على عمق وعيها بالخارج. إنها الصورة التي اختارها «الشعب» لنفسه فكان الأدب صادقا في تعامله معها انه شاهد على وقائع يصورها وعي الفنان بما يملك من تقنيات إبداعية من سرد ووصف لأزمنة وأمكنة فيضعنا أمام اندهاش وحيرة واستفهامات" فناجي الجوادي ترك قصصا تصور المجتمع التونسي من واجهات مختلفة وتكشف عن تنوع مشاغله اليومية واختلاف أهدافه فالشخوص التي كتب عنها مختلفة التكوين والبنية والفعل ومختلفة الأهداف ...هي شخوص تصارع من أجل الخير والشر وتتعايش مع الحياة بما فيها من ظروف .وتدور هذه القصص في فضاءات محلية مختلفة ومتعددة ومن أهمها الفضاء الريفي بما فيه من فقر وصعوبات وتقاليد وسيطرة للعمدة ورجال السلطة وانعدام للمرافق الحياتية وصعوبة التعلم...وأذكر على سبيل المثال الظروف الحياتية القاسية التي كانت تعيش فيها المعلمات في قصة" اللغز" وهي إحدى قصص أصوات الليل حيث كن يفتقدن النور الكهربائي كما يجدن صعوبة في التنقل خلال الأمطار فيصور حياتهن الليلية وما فيها من معاناة: "أضاء المصباح أخيرا بالقدر المعتاد من الدخان فأضاء في نفوسهن شموع الفرح والأمن والطمأنينة فهن جميعا لا يتخيلن لحظة إنهن قادرات على الاستغناء عنه ساعة واحدة من الليل فعلى ضوئه الشاحب يقران ويكتبن ويصلحن الكراسات..."ص34 كما يصور معاناتهن ذات مطر: "قبل أن تبدأ عطلة الشتاء بيوم واحد اربدت السماء وغامت ولم تلبث أن انفجرت بسيول المطر الصاخب فغمر الماء البطاح وانحدرت الأودية وبكت المعلمات وندبن حظهن السيئ وأيقن إنهن ملزمات بقضاء العطلة أو أياما منها بالمدرسة ص39 ويدور جانب آخر من هذه القصص في فضاءات المدينة المتشعبة بما فيها من فنادق وغرف لذة مبثوثة هنا وهناك حيث تغلب الشخصيات الباحثة عن اللذة والعشق وتكثر الخيانة...من ذلك قصة القناع التي يكتشف فيها الزوج بعد زمن خيانة زوجته: "لست تدري كيف استفاقت رجولتك يوما فسألت زوجتك عمن في الغرفة المجاورة وقد تناهت إلى سمعك منها أصوات معربدة -من هناك في الغرفة؟ -زبناء يشربون فقلت لها في نبرة احتجاج -كيف يحدث هذا في بيتي -كان أولى أن تسأل من زمن عن مصدر ما ننفق من مال في طعامنا والشراب...."ص49 ولكن كتابة ناجي الجوادي السردية تنهل أيضا من السيرة الذاتية حيث كثيرا ما نكتشف حديثا عن شخصه ودون إخفاء لذلك حيث يذكر إسمه ويتحدث بضمير المتكلم مرارا عديدة مثلما نجد ذلك في هذا المقطع: "كانت أسرتي كلما أرادت حملي –وأنا الطفل العنيد-على القيام بواجب أكيد أو أمر حتمي لا مفر منه اتفقت في تغامز على أن تتظاهر بحرماني إياه ومنعي من ممارسته كأن يقول أبي ذات مساء وقد فرغنا لتونا من تناول عشاء دسم غني باللحم والشحم: هذه الليلة لن يغسل ناجي يديه"ص5 فكتابته مزيج من الخيال والواقع من الفن والحقيقة من الأنا والعالم من الذات والعالم ....وهي أيضا تجمع بين كونها عملا فنيا وبين كونها رسالة ناقدة للواقع تحمل الكثير من الهواجس وتضع اليد على الكثير من المشاغل... 5. هواجس الكتابة القصصية تبدو أقاصيص ناجي الجوادي ساخرة من الواقع حاملة لكم كبير من التصوير الهزلي لشخوصها الذين هم نماذج للمجتمع التونسي ولكن مفعولها لا يقف عند الإضحاك فالكاتب يخفي بين طياتها وحركاتها الكثير من الجد ويكشف عن جملة من المواقف التي لا يصيغها بشكل مباشروإنما يجعل القارئ يتفطن لها ذلك أن الكاتب ملتزم بالحياد ولكن لعبته السردية تصور الواقع بعنف وسخرية وتعري لنا عديد الظواهر وقد أشار الأديب حمودة الشريف كريم إلى هذا التمشي فأوضح" إن ناجي الجوادي عندما يعرض علينا هذه الأنماط الاجتماعية لا يعطينا رأيه فيها و لا نظرته نحوها و لا موقفه منها و لا ينصب نفسه حكما لأنه لا يريد ذلك. فذلك من شأن أناس آخرين أما هو فيكفيه أن يصوره فقط. كما أنه لا يتخفى وراء شخصيات قصصه بل يترك لها المجال و الحرية لتعبر عن موقفها إزاء الآخرين دون تدخل و لذلك تتشابك آراؤها و تتناقض مواقفها و تصارع و تتعارض...." هذا التشابك والتناقص والتصارع والتعارض الذي أشار إليه الأديب في هذه الملاحظة هو ما يقودنا إلى هواجس الكتابة السردية عند ناجي الجوادي التي تنوعت وتعددت بين الاجتماعي والتربوي والسياسي والثقافي... ففي بعض القصص إشارة إلى الظلم وغياب العدل والمساواة والتفاوت الاجتماعي ...فهو يصور مجتمعا سوس فيه الظلم والغدر والخيانة والتحيل لذلك تقل الشخوص الخيرة في أعماله وتظهر الوجوه الشريرة وهي تستبد بالشخوص الساذجة اوالفقيرة كما يصور مجتمعا غارقا في الجنس رغم التظاهر بتحريمه فثمة خيانات وتسول بالجسد في قصص كثيرة مثل رياح السنين وحكاية عكازين واسماك بشرية وقبض على الجمر وغيرها من قصص مجموعة" أصوات الليل" كما يتوغل الكاتب كثيرا في تصوير المجتمع من زاوية أخرى هي زاوية التربية والتعليم من خلال تصوير واقع المعلمين وما يجدونه من صعوبات ولعلنا في قصة المعلمات الثلاث نعثر على هذه المعاناة أو من خلال التعرض لبدايات التعليم في تونس ومعاناة التلاميذ والطلاب والمدرسين ومناخاتهم الاجتماعية المتردية... كما يمكن أن ندرج في هذا المجال انتقاد الاعتقادات السائدة وإبراز سيطرة الجهل والسذاجة ونستشف ذلك من قصة الاعتقاد في شؤم العكازين ...ولا يغيب الهاجس السياسي عن هذه الأقاصيص حيث الإشارة إلى مساوئ الساسة ومظالمهم وحيلهم والسخرية من خطاباتهم ولعل حكاية العمدة الذي يغمس الفئران في الدقيق في قصة انتظار أو زيارة الأمير للقرية في "أصوات الليل" أو" وتفصلوا بقبول الشتيمة "في أنين الكراسي تكشف هذا الأمر فثمة انتقاد لواقع سياسي معين وخطاب سلطوي مشحون بالتسلط والتكبر والاستبداد... خاتمة: أجمالا تعتبر قصص ناجي الجوادي متميزة وشيقة وناجحة وقد استطاع أن يتقن نسج عوالمها وتقديمها للقارئ في حالة من النضج والبهاء حيث أصفى عليها لغة شعرية وطعما ساخرا ووصلها بمظاهر ويوميات الواقع بما فيه من مظاهر وهواجس لذلك لا بد من الإقرار أن ناجي الجوادي رغم أنه بدا مقلا يعد من أبرز الوجوه القصصية الراحلة في السنوات الماضية...

e-max.it: your social media marketing partner
on 03 حزيران/يونيو 2016
انشأ بتاريخ: 24 تموز/يوليو 2016
الزيارات: 385

شتاء في حانة الصّحافيين

كن تافها كعادتك
باردا بما يكفي
سليطَ اللّسان
قذرًا
لكنْ...
                              اِقرأ المزيد...

لا تدّخرْ

لا تدّخرْ نبضا ولا حجرا فكلُّكَ في خطرْ دنياكَ..
آخرة الذين تحبّهم
وتصدّق الصحراء إكراما لَهمْ.
والياسمينة..

                          اِقرأ المزيد...

البرّاج  

ستُحبُّ كثيرا يا ولدي
و تُسافرُ خلْف الغيْماتْ .
و تُطارد كلّ أميراتِ العشْق
 
المرْسومات على كتُب التّاريخ
 

     اِقرأ المزيد...

 

أغنية متحركة

أنا القطعة الاثرية السالمة من الموت
اتشبث بفستانها الفضفاض
يا امي لماذا تعطيني
اسمها
 

                             اِقرأ المزيد...

أخضرُ هذا اللّيل 

طويل هذا اللّيل... بارد هذا الأرق... صاخب هذا الصمت... هامس هذا الموت... حارق هذا الغياب... جاثم هذا الحضور... !تعبتُ من السّفر وأرهقتني محطّات عواصم العمر...

                             اِقرأ المزيد...

اعترافات الابن أو قراءة في سيرة الأب 

إلى أبي يوسف
أنا ابنك المسيّج بالزيف والخداع
وحدي ألقيت نفسي في الجب يا أبي
وإخوتي براء من دمي

                             اِقرأ المزيد...