العدد لأول

..حوار مع الشاعر محمد عمار شعابنية وجهـا لوجـه

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

حاوره كمال حمدي حمدي

ـ النقاد  والقراء أجدر مني بوضع  نصوصي في السياق  الذي يختارونه

ـ أستند في سلوكياتي الشعرية إلى قيم خالدة لا تستطيع دساتير العالم أن تلغيها.

 

س:انت احد ابرز شعراء المناجم الذين ارتبط اسمهم بالهم العمالي كيف ميزكم المنجم عن غيركم من المناضلين الذين يتبنون هذا الهم ؟ ما سر تبنيك لكل فكرة لها علاقة بالعمال والمناجم "المهرجان الذي تسعى إلى إقامته " ؟

 ج: لم أكن عندما ارتبطت مواضيع قصائدي الشعرية في بداية تجربتي الكتابية أبحث عن  تميّز يبرؤني من لغة  السائد في الشعر  التونسي  خلال أواخر ستينيات  القرن  الماضي ، لأني  كنت  طفلا مراهقا  أو شابا  في بداية تحوّلي  الفيزيولوجي  أو  قُل  تلميذا يحلم بغده ، ولكنني وجدت  نفسي مشدودا  إلى  محيط  منجمي تتحرك في معامله  وأنفاقه  وورشاته وشوارعه وأسواقه وساحاته بدلات ٌ زرقاء وقبعات  بيضاء  يرتديها عمال شركة الفسفاط الذين  كان عددهم يصل إلى قرابة ربع  سكان المتلوي المنطقة  التي تم  فيها  اكتشاف أول  مقطع  فسفاط في إفريقيا سنة  1885..وكنت  من  خلال  مواجع  والدي العامل عدد 23639 الذي حمل على  ظهره أثقال  المنجم طيلة  ثلث  قرن أشعر بأنه  يشقى كثيرا  ولا يحصل على  غير  القليل وأنه يحمل  لي كل  يوم  شهادة  على  أن زملاءه  المنجميين يعانون  مثله  أو  أكثر منه وأنه سعيد باقترابه من  سن  التقاعد وهو  في عافية  من  مخاطر حوادث  العمل  التي مسّته  بما  هو خفيف بينما  ذهب ضحيتها  رجال عرف أبناؤهم اليتم وجلست  نساؤهم  على رماد  الترمّل ،   لذلك جاءت أول  تجربة  لي من  وحي تلك الظروف معبرة بتصوير  فوتوغرافي لا  يخلو  من  جمالية  الأسلوب وميلودية التناول  عن الهم  المنجمي في  قصيدة " حديث  عامل  منجمي  " التي كتبتها  صيف 1968 ـ وعمري آنذاك ثمانية  عشرة  سنة  والتي علق  عنها  الشاعر الكبير  أحمد اللغماني  في  حصة  من  حصص البرنامج الإذاعي  " هواة  الأدب  " ـ الذي  كان  يشرف  عليه  بالإذاعة  الوطنية  التونسية  ـ بقوله  ، (هذه  بداية  ملحمة  شعرية أتمنى   أن لا تتوقّف  عنها لأن مواضيعها ظاهرة للعيان ومؤثرة  على النفوس)..أيقظتني تلك المقولة  من  انبهاري بما حبّرتُ وقد  كنت اعتقد أنني قلت   كل  ما يجب  قوله في القصيدة ،وكان ألشاعر  أحمد المختار  الهادي قد  سبقني أنا  والشاعرين سالم  الشعباني ومحمد الطاهر  سوده  ( رحمه  الله ) إلى  الكتابة  في هذا  المنحي في أواخر الستينيات  الماضية  باللغة  العربية  الفصحى ، وهو  مسبوق بالقول الشعري في الغرض  المنجمي  من  طرف العديد من  الشعراء  الشعبيين الذين صوّرا ما  يحدث  وما يُرى من ظروف  عمل قاسية منذ أوائل  القرن العشرين بمقاطع  أو  قصائد شعرية لم  تحتفظ بها  الذاكرة الجماعية  ولم يبق لنا  منها  غير  أبيات قليلة  ومتفرقة ..  وأشير  أيضا إلى أن  بعض الشعراء الفرنسيين الذين عاشوا  وعايشوا  الملحمة المهنية  المضنية والاستغلالية الفاحشة  في ربوعنا  من  ذوي  الميولات  اليسارية ـ  وإن  كانوا غير معروفين بآثارهم في  مدوّنة الأدب  الفرنسي ولم  تصل  أصواتهم إلى العمال المغاربيين بالربوع الفسفاطية التونسية  الذين يجهلون القراءة باللغة الفرنسية ـ قد تركوا  لنا  بعض الكتابات  الشعرية  المنددة  بعذابات المنجميين  وما تبعها   من  صراعات  دامية بين  الشركة   الفسفاطية وسلطة  الحماية  من   جهة  والمنجمين من  جهة  أخرى بلغت  ذروة بشاعتها يوم  4 مارس 1937 بارتكاب مجزرة  ذهب  ضحيتها في  ظرف دقيقتين  من الطلق والقنص الناري ثمانية  عشرة  عاملا وجرح أربعة وعشرون آخرون لم يسلموا من  مغازة الحياة في  أقل  من  سنة نتيجة  تعفنات  جراحهم .. حدث ذلك بالمغازة  المركزية التي  تتجمع  فيها  تجهيزات  العمل بما  في ذلك من صناديق المفرقعات التي  تُستعمل عند  تفجيرها لفتح الطبقات  الفسفاطية  داخل الأنفاق . .  وهؤلاء الشعراء   الفرنسيون استوحوا قصائدهم مما حدث ومما عايشوه من ظروف مهنية  قاسية  ومهينة أرهقت الشغّالين الذين وقفت  على  ظهورهم  وبأتعابهم أكبر  مؤسسة اقتصادية بالبلاد  منذ تأسيسها لتواصل إنتاجها إلى  يومنا الحاضر  طيلة ما  يقارب  مائة  وعشرين سنة  متواصلة.
وعندما اتضحت  معالم التجربة وزودتني  بشحنات من  النضج الكتابي تـَيـَقنتُ  من أنّ ما أقوله  عن  عمال  المناجم  ولهم يتميّز  بالصدق والتوجه النضالي إلا  أنه يحتاج  إلى تطوير خطابي  التبليغي معرفيا وجماليا وأسلوبيا لأن  الايدولوجيا مطلوبة بإلحاح   في الشعر الثوري   غير  أنها  تفسده  عندما  تهيمن  عليه  على  حساب تقنياته  الأساسية ، فجاءت  مجموعتي الشعرية " طعم  العرق " سنة  1985 بعد  " ألغام في  مدينة  برئية " الأولى سنة  1976 متوفرة على  قصائد مضيفة وهي التي قال  عنها أحد الكتاب في عرض لها  بمجلة الإذاعة والتلفزة التونسية  إثر صدورها " إنها نُطلّ  علينا  في  الليل   الحزين  كالقمر" لأن  الشعر  في تلك  السنوات  لم  يقدّ م مطبوعا  في كتب ما يقنع ، عِلما  بأنها  قد نشرت في أول  عدد  من  سلسلة " إبداعات " التي انتقت كتبها  الدار التونسية  للنشر سنة 1885 .
ولم تقتصر كتابي الناهلة  من الألم  المنجمي على الشعر بل  تعدت  ذلك إلى المسرح  الذي افتتحت أعماله بمسرحية  ّ  فئران  الداموس" التي قدمت  في مائة  وعشرين عرضا بمختلف جهات البلاد  في ظرف ثمانية  أشهر من 20 نوفمبر 1976 إلى منتصف أوت 1977 ، وفي ذلك  رقم  قياسي  لم يقع  تحطيمه  إلى  حد الآن في تونس (120 عرضا في ثمانية  أشهر) حتى  من  طرف  عروض الممثل  الواحد " الوان مان  شو" للممثلِين  المقتدرين بالبلاد  كالآمين  النهدي وجعفر القاسمي ولطفي  العبدلي،  غير  أنّ  قرار منعها  من العرض بعد ذلك  التاريخ قد جاء تخوّفا  من خطابها  الثوري المنتصر  لعرق  العمال في وقت اشتد  فيه  الصراع  الناتج عن ليّ  العصا  بين الحكومة من جهة والإتحاد العام  التونسي للشغل من جهة   بقيادة أمينه العام المرحوم الحبيب  عاشور،  وقد  أدّى  ذلك كما  هو  معلوم  إلى أحداث يوم الخميس الأسود (26  جانفي1978) الدامية .
والملاحظ  هو  أن  المسرحية  المذكورة المصورة  بالأبيض والأسود ـ قبل اعتماد الألوان في التلفزة  التونسية ـ لم  يقع  تقديمها  للمشاهدين في أكثر  في عرض تلفزي واحد ،  لذلك فإنّ الذين تقلّ  أعمارهم عن خمسين  سنة ليست  لهم  أية فكرة  عنها  وربما يردد  بعضهم المقطع  الشعري الذي ختمت  به لوحتها  الأخيرة ولا  يعرفون موقع سياقه وهو :
المتلوي با  بلادي
يا  مينةْ الفسفاط  ( المينة  هي  المنجم )

نحب  الخبز الحامي
والكسوهْ  والصباط  .

وخارج الهاجس الشعري عملت ، عندما  كنت مدير دار  الثقافة بالمتلوي  :  قبل تقاعدي على تأسيس المهرجان  الثقافي الصيفي الذي أطلقت  عليه اسم  مهرجان  المناجم سنة  1980 فتواصل تنظيمه خلال  شهريْ جويلية  وأوت من  كل سنة بأنشطة فكرية  وأدبية وتنشيط شوارع وعروض مسرحية وفنية  مختلفة لتوفير  مناخات الفرجة الممتعة والتخفيف  من  حدة الظروف المعيشية  الروتينية الطاغية  على  حياة  السكان  في  وسط  مهني ضاغط وبالخصوص منهم  المنجميون الذين  يحتاجون  إلى  متنفسات للإمتاع ، وقد نشر  هذا  المهرجان  عدواه  الجميلة إلى  مناطق  الحوض المنجمي فانطلق بعد  سنة واحدة ، أي خلال صيف 1981، مهرجان  الفسفاط بالرديف  ومهرجان  منجم  أم العرائس ومهرجان أميرة  المناجم  بالمظيلة ،  ويؤسفني بعد  تقاعدي في  أوت 2010 توَقـّف  هذه  المهرجانات عن الانتظام لانحباس مساعدتها بالدعم  المالي المتأتي  من  شركة  الفسفاط نتيجة  الأزمات المجرة  عن  الاعتصامات  والإضرابات التي  تسببت في تعطيل  حركة الإنتاج وكادت تؤدي بالمؤسسة  الفسفاطية إلى رمي المنديل بالإفلاس، وأرى  بعد استئناف الحياة  المهنية في ظروف شبه طبيعية متدرجة  إلى التحسن النهائي  أنه  من  الواجب  إعادة  تنظيم هذه  المهرجانات لأنها صمامات  أمان  ضد انتشار الرداءة وانغلاق  أفاق الأمل  .. ثم  أنني أسست  بالاشتراك  مع  الشاعر سالم الشعباني المهرجان  الوطني للشعر بالمتلوي الذي  انطلق  قويا  خلال شهر  ماي 1993 بمتابعة ألاف المتلقين خلال أمسيته الشعرية  الأولى  في الهواء الطلق  ،  ولئن  عاش انتكاسة بعد الثورة  فإننا  عازمون على إرجاعه  إلى المسار الصحيح  تدريجيا رغم  تقلص الدعم  المالي .
وفي الوقت الحاضر لي حلم بناء مهرجان ثقافي منجمي ينشر الفن والجمال والترفيه والتثقيف في الربوع الكادحة بما يجعلها محط الأنظار وقبلة الزوار إذا توَفرّ الدعم المالي المناسب.

س: ألم تتصوّر أن  كتاباتك  المستلهمة  من  الواقع المنجمي  ستعتبر مغامرة لأنها منطوية  في تجربتها على النهل  من حيّز  مكاني ضيّق؟
ج :تصوّرت  ذلك بعد نشر  مجموعتي الشعرية  الأولى التي سال من  وحيها حبر عديد  الأقلام النقدية  متهمة ممارستنا  بالإغلاق على واقع  محلـّي ضيّق ، فأجبت  عنها بنصوص أخرى تبرهن  على أن الشمولية  لا تتحقق إلا بالانطلاق  من  المحلية وأنّ الأدب لا  يؤدي رسالة   وطنية  أو قومية أو إنسانية   مكتملة إذا خان الأصول  والمنطلقات أو تغافل  عنها، ولنا في ما  كتبه إميل  زولا وتشيكوف وتولستوي وبول  إلوار وناظم حكمت والسباب بابلو نيرودا  والبشير  خريف وحنـّا  مينة وأوكتافيو باث وغيرهم كثير ما  يؤكد على ذلك  ... إلا أني أوافق على أن النصوص الأدبية ، المنتمية إلى الشعر أو  إلى السرد ، إذا  لم تكن قادرة نقل خصوصيات وتفاعلات المحيط ـ الذي أعارها نبضه ـ إلى فضاءات واهتمامات  أوسع  هي بوضوح ملتفة حول  نفسها وآيلة إلى الاضمحلال..
ولعلي في عديد  الأشعار اللاّحقة  في التي فتحتُ بها  نوافذ   ّ الشعر  المنجمي "على  مصراعيْها لأبث منها خطاباتي ولأنظر  منها إلى المتعبين أينما كانوا ،كقصائد "طعم  العرق ، و"مما يقربهم  وأنت  الهاربة "و"مواجع أبي دلف  الخزرجي" و" نمنمات  على  عظام  سنمار" و "تنزلات مشغال  ابن  أبي كدح" و" سبارتاكوس " على  سبيل الذكر  لا  الحصر ما ينتصر لما قصدته . غير أني استطرد لأقول إن الكتابة من  خلال المعايشة أنجع من  الكتابة عن  السماع وأقصد أنّ الشاعر والروائي والقاص لا يقدرون على  استثمار الأحداث  في  ما يكتبونه إذا  لم تكن  لهم  أفكار وتجارب ممّا يريدون الكلام  عنه ،  فأنا مثلا  لا أستطيع أن أبدع  شعرا يتطرّق  إلى  ظروف العاملين  في  حقول  البترول أو الضاربين في البحر لأنني لم أحْيَ  معهم وبينهم ، وربما تجود قريحتي بما ينظر إليهم وأنا  على  يقين من  أنني  غير  قادر على قول ما  يجب أن  يحيط بما لديهم أو  حولهم 
س: هل  يعتبر توجهك إلى الشعر العمالي انزياحا عن النهج  الذي سلكته في  البداية عندما  اكتشفت أنك غير  قادر  على مواصلة  السير  فيه مسافة  أطول ؟

لم أتخلّ عن مساري الأول لأنني ما زلت أحنّ  إلى السير فيه كلما راودتني فكرة كتابة جديدة،  فأنا الآن  أخطط  لكتابة نص شعري منجمي مختلف بإضافته إلى النصوص الماضية، لأن المواضيع التي اخترتها لقصائدي السابقة قد  أصبحت من  الذكريات الأدبية بعدما  تغيّرت البُنى الاجتماعية  والاقتصادية  والثقافية  وتحقق لعمال  شركة  الفسفاط ما  كنتُ أنادي به، فعامل  الأمس في المنجم  كان  يشتغل ثمانية  وأربعين  ساعة في الأسبوع ويشقى فلا  يلقى والشغل متوفر لمن يطلبه أما عامل  اليوم الذي جاء بعده فقد تحسن  وضعه  التأجيري وخففت الميْكنة  من  متاعبه بينما  لم يجد  ابنه مدخلا  للشغل ، وقد تعمقت  خطوط هذا  التناقض الاجتماعي باستنزاف حليب الضرع ، الذي يتأتى  منه عُشر  اقتصاد البلاد ، خارج  المحيط الذي يحتضنه ،  فلا تعمير  ولا  تنمية في الحوض  المنجمي  ولا ما  ينشرا لجمال  والابتسامة ويفتح آفاق  واسعة  على  حياة منشودة  فكأنما المخلوقات في ربوع الفسفاط  منذورة  بالانقراض عندما  تشحّ منابع  التراب الأخضر ، أفلا يحرّض  ما  ذكرت  على  كتابة  قصيدة  منجمية جديدة  تقطع مع أفكار  قصائد المرحلة  الأولى التي  كانت تلفت  الأنظار  إلى هموم مسحوقين من  ناحية  وتمجد الجباه  السمر والزنود  الصلبة  من  ناحبة  ثانية وكأنها  تريد  أن  تُبكي  وتضحك  في  آن  واحد  ،وقصائد  المرحلة  الثانية  التي اختارت  الغوص  في المشاغل  والهموم  والتطلعات ، وقصائد  المرحلة  الثالثة التي  آمنت  بأن المواجهة بالفن  لا تكون مجدية   إذا  لم  يكن  سلاحها صلبا لأنّ القصائد التي  لا  تتوفر  على  قدر هام من شروط  التبليغ الأدبي القوي  والراقي لا تعيش طويلا وأنا لا أتمنى  لقصائدي  هذا  المصير ، لذلك أحمل  الآن  وجع المخاض الذي أرجو  أن  لا  يطول، فالأماكن  والحالات والأوضاع  في  الشعر  المنجمي قد استأثرت مني  بحبر  كثير بينما لم أدفع  للزمان  ما  هو  دين  عليّ له لأقول :  أيها القوم ماذا  هيأتم  لغدهم ؟
ولكنني لن أتخلى  عن  السير إلى  أين  ذهبتُ بما  أكتبه  من  شعر  عمالي:
فأنا إذْ  أفتح  نافذتي كل  صباحْ
استنشق أصوات الباعة  في  الأسواقْ
وأشمّ عبير  الحرفيين يُخيطون  صِدارا  للتاريخْ

وشباك الصيّادين المصبوغين  بلون  البحرْ
وإياد العمال  المزروعين  نجوما  في  الأنفاقْ

س: هل يكفي الشعر وحده ليقول ما يجب قوله عن حالات ومشاغل الكادحين ؟

ج: لا أقول  بذلك لآن الَمَشاهد لا  تتكرر فحسب بل أصبحت في الوقت   الحاضر تتضاعف  وتتغيّر  بأحداث  سريعة مكثّفة بما لا  يستطيع الشاعر الإحاطة  بها في  ما  يكتبه  من  قصائد تحتاج  إلى الوقت  والتفكير ، لذلك  فأنا أدعو  منذ سنوات إلى أن تقوم  الرواية  بواجبها  قبل  فوات  الأوان  ،،  فما جدّ قي  تونس من  تحركات احتجاجية ومواجهات بين شبان  ومواطنين عزّل يطلبون الحياة من  ناحية وبوليس مأمور من السلطة  الحاكمة بالتصدي والقمع   في الحوض المنجمي خلال  سنة 2008 يفسح المجال  لكتابة  ملاحم  روائية إلا  أن  ذلك  لم  يتم إلى  حد  الآن وهو  عيب  من  عيوب  السرد الذي تأخر  كثيرا  عن  قول  ما  يُنتظر  منه  قوله   متعلّلا  بعذر  يدعي أنّ ما حدث لم تكتمل  نتائجه بعد ، فالروائي لا  ينتظر النتائج  لينجز  عمله بل  عليه  أن  يتصوّرها .
ثم  أن  هناك عقدة بلزاكية يعاني منها  كل  من يتهيّأ  لكتابة رواية  منجمية وهي حسب  الاعتقاد أن إميل زولا الفرنسي
Emile Zola  قد عرض في " جارمينال Germinal" المنشورة  سنة 1885 في ما يزيد  عن  500  صفحة كل  ما  يمكن عرضه  في رواية تحيط  بمشاغل  ومعاناة المنجميين لأن  مناخاتهم  وظروفهم ومصائرهم  متشابهة رغم اختلاف الطبائع ، وللعلم  فإن الروائي ريتشارد  لويلن Richard leewllen المولود في بلاد  الغال  ببريطانيا العظمى سنة  1907 قد  أبدع بدوره في نسج روايته  المنجمية "  كم  كانت  جميلة  شعبتي How Green was my valley" التي صدرت  في كتاب يحتوي على أكثر  من  500 صفحة سنة 1941 .. أما  الروايات التونسية  التي  كتبت منشغلة  بالهم  المنجمي  وحده فهي تنحصر في "  يوم  من   أيام  زمرا " لمحمد  الصالح  الجابري و"  تزهر  الجبال  الصلدة " لإبراهيم  بن  سلطان و"  موت  الظل la mort de l’ombre لمحمد  الحبيب  حامدي ". بينما لم تخصص  رواية  "الدقلة  في  عراجينها " للبشير خريف أو " وراء السراب  قليلا " لإبراهيم  درغوثي إلا فصولا قليلة  عابرة للتطرق إلى أحوال المنجميين  .

وأشير  إلى  إن هناك روايات  مغربية قد  انشغلت   بالمناخات  المنجمية  في البلد  الشقيق كـ : " البرزخ" لعمر القاضي و" الجبال  لا  تسقط" لسعدية سلايلي و: : أهل  العتمات" لعبد الرحمان مسحت:و " سيرة  للعنة  والجنون" : لجلول  قاسمي و" بولنوار" لعثمان  أشقرا و" الحوت البرّي" للسهلي  عويشي ، غير التي لم أسمع عنها،  وهي بتنوّع مواضيعها تبقى مع مثيلاتها  في تونس مبشرة  فقط بكتابة ما  ننتظره للارتقاء بالغرض المنجمي إلى الإحاطة السردية الواسعة  بملاحمه رغم أنّ أخواننا  المغاربة قد اهتموا   بالأوساط  المنجمية  في رواياهم أكثر من اهتمامات  روائيينا  التونسيين ، سواء في  محيطات  مناجم الفسفاط  أو مناجم  الفحم  الحجري ورغم  تأخر تجربتهم عمّا  كتب في تونس منذ أواخر ستينيات القرن  الماضي عندما  نشر  محمد  صالح  الجابري " يوم  من  أيام  زمرا " بينما تعتبر  تجربتا  الشعرية  أشمل  وأعرق وأكثر  تنوّعا  موضوعيا من  تجربة  الشعراء المنجميين المغاربة  كالسهلي العويشي و عبد  الحميد بحادي .ولا  أعلم  أن  كانت في موريطانيا  كتابات نابعة  من  شجون  المنجميين وهي المنعدمة في الأردن .

س:أين يصنف شعابنية نصوصه ؟ وهو المنتصر لقضايا الإنسان؟
ج : النقاد  والقراء أجدر مني بوضع  نصوصي في السياق  الذي يختارونه بموضوعية ، وقد أشار  بعضهم ـ كما  توصلتْ  ثلاث طالبات اشتغلن على قصائدي  برسائل جامعية ( اثنان تحصلت  صاحبتيْها  على  الأستاذية وواحدة توّجهت بشهادة التبريز ـ إلى أن أشعاري تتميّز  بصدق  كبير وبنفس نضالي طويل وبنزعة  ثورية غير  متهورة ، وأرى في ما صرحوا  به استنتاجا مقبولا لأنني استطعت  في ما  أقوله أن أمزج  بين ما يصرخ  به  الإحساس الذي يتأثر  بحدث ويُرى وما يمليه العقل لأنجز  نصا لا شاتما  ولا  متباكيا بل  هو  نص الموقف الشجاع ، والأدب  الذي لا  يتصف  بالشجاعة لا تعويل  عليه ، وقد أحشر  فيه اليوم  العديد من  الكتابات  التي نطالعها موغلة في  الإبهام والهروب  من  الواقع كأن تتصفح مؤلفات العديد من الذين تتلوى بلدانهم  في الاحتراق والإبادة والهدم والإرهاب وهم ينشرون ما يجعلنا  نتصوّر  أنهم يقيمون في منتزهات لا شئ فيها  يعكرّ صفو الأيائل والفيلة ( كما قلت  في إحدى قصائدي )  .. عفوا  ، أنا  لا  أنتصر  للواقعية الفجة في الكتابة على  حساب الاتجاهات الأخرى ولكنني أعتقد أن ما  يحدث في زماننا  يفرض على الكاتب أن يقترب  أكثر من ناسه ،  وأرجو  أن  أظل قريبا  من ناسي الذين وهبتهم صدق  نصوصي وهم الموضع الآمن الأمين  الميمون الذي أرتضيه لها ، أما  تصنيفي لها فلن يكون مريحا إذا  لم  أمنحها  من حياتي  كل  ما  تطلبه :

فلا  جملةً يائسهْ
ولا  لفظةً بائسهْ
تقصّان  حبل  الكلام  الذي أكتبُ
فإن  حالتا  دون  همّي
ودون  انسكابي  على  ورقي
يعيقهما  غضب  مرعبُ
وإن باتتا في شجار مع  أرقي
أطيل  انتظاري  ولا  أتعبُ
فتأتي القصيدة  شاربة  من  دمي
وأمنحها  كلّ  ما  تطلب
وقد أكون  نرجسيا  عندما أضعها في هذا  السياق أو  ذاك ما  لم يقتنع  متقبلوها  بما أدّعيه وهم ينتمون  إلى  فئتين أولاهما  تتكون  من المتقبلين ذوقيا  بالقراءة العابرة   والسماع وثانيتهما تنتسب إلى فريق  قراء من  أصحاب  السلطة النقدية ، وأنا  أحظى  بقبول  الفئة الأولى التي تدرك أنني أكتب عنها  ولها والفئة  الثانية التي تشهد  على  أن  أشعاري  كادحة ومعمّدة بعرق المتعبين وتطلعاتهم بما توفره  من  شروط الإبداع وتقنياته. وأفتخر حدّ التأثر عندما أصرّح بأن قصائدي منحتني ثقة وتقدير قرائها لإيمانهم بأنها صادقة ونقيّة من كل ابتزاز أو تكسّب أو ولاء لغير الإبداع.

س : "شقيا مرّ ذئب الوقت " صنفها النقاد على أنها واحدة من أروع ما كتبت ما هي ظروفها وما هي الرسائل التي أردت إيصالها للمتلقي ؟

ج :قبل كتابة  "  شقيّا  مرّ  ذئب  الوقت " سنة  2012 ، كنت أتواصل شعريا عبر الفضاء  الفايسبوكي من  أواخر شهر ديسمبر  2010 إلى  شهر أفريل 2011  مع  الصديق  الشاعر  حسن  بن  عبد الله لمتابعة مستجدات ما  يحدث في تونس ثم ما  يجري في مصر من  مظاهرات مطالبة  بالشغل  والحرية  والكرامة الوطنية فافتتنت بانتفاضة 17 ديسمبر ـ  14جانفي التي اقتلعت  جذور حكم  بن  علي وكتبتُ ما  يمجّد  "  الثورة " ويفتتن  بها اعتقادا  مني أنها ستأتي بالخلاص ، وصادف  أن تمّ الإعلان من  طرف  لجنة جائزة  أبي  القاسم الشابي التي يسندها  البنك  الوطني التونسي عن  مسابقة أفضل  قصيدة  عن الثورة  مكتوبة  خلال  2011ومنشورة في كتاب  أو  مجلة  أو  جريدة ورقية ،إلى  جانب  جائزة  أفضل  مجموعة  شعرية صادرة  خلال ثلاث سنوات سابقة ، فرشحت ما  نشرته في أحد أعداد  جريدة   الأسبوع الثقافي  التي  أسسها الكاتب عز  الدين  المدني  صيف  2011 تحت  عنوان  "  هكذا يحملنا  ضوء " وهو مقاطع مما نشرته  فايسبوكيا فكانت  الجائزة  من  نصيبي يوم 7  ديسمبر 2012  من  بين أربعمائة  ونيف  وخمسين مترشحا  للجائزة .. كنت أتابع الحراك الشعبي مفتتنا بإرادته التي قوّضت أسس نظام سابق لبناء نظام جديد ينظر الضوء والأمل وتحقيق الحرية والعدالة والشغل فجاءت مقاطع  القصيدة منتصرة لما  حدث كما  في هذه  الأسطر  :
هكذا يحملنا ضوء إلى  صبح  جديدْ
والجديدْ
أنّ باب  الله مفتوح على  آمالنا
وأمانيننا  التي أخرجها  الفتية  من قبْوِ الحديد  ...
  بعد أشهر مرّت متشنجة ومذهولة ورتيبة وثلجية اكتشفت أن ما سُمّي بالربيع العربي قد تحوّل إلى صقيع وأن ثورة الشباب قد سَرقت توهجها أطراف دخيلة عليها فحوّلتها إلى غنيمة لفئات غريبة تسببت بصنيعها في تعطيل الحراك نحو الأفضل ، فكتبتُ  في أوائل 2012" شقيا  مرّ  ذئب  الوقت "  لأسجل  فيها شعوري بالخيبة ـ  الذي لا  يختلف عن شعور غيري وربما لأستدرك  بها ما قدّرته  في "  هكذا يحملنا  ضوء " وسفّه أحلامي .ومن مقاطع  القصيدة أسوق هذه  الأسطر:
شقيّا مرّ ذئب  الوقتْ
مُخضّبةً بوحْل الجوع  أطرافُهْ
وداميةً من  الأتعاب أخفافُهْ
وكان  عُواؤه  المسعورُ يخدِش حائطَ الصّمتِ
يحذّر  من  مجاوعَ  ربّما مصفوفةً تأتي ..
بطيئا مرّ   ذئب الوقتِ
    يعبر أنهج الأيام والأشهرْ
وفي  عنُق  الزجاجة حُلْمُنا علُقَ
وتوْقٌ جامح  سُرِقَ

وخبْزُ  مدينةٍ  حُرِقَ

 وقد علّق عليها الكثير من الكتاب والشعراء بإعجابهم بها واعتبارها شهادة حيّة على ما حدث في تونس من التفاف لا  أخلاقي  ولا  وطني على الثورة بل  ذهب البعض  ومن  بينهم  الشاعر  حسن بن  عبد الله صاحب دار  هديل  للنشر  إلى التصريح بأنها مؤهلة لأن  تُقرأ في المجلس التأسيسي على أعضائه  لتُسمعهم صرخة القلم الذي لا يسيل  حبره إلا  ليقول  الحقيقة ., هذه القصيدة سيكون عنوانها عنوانا لمجموعة شعرية تظمّ جميع النصوص الشعرية التي استلهمتها من وحي ما حدث .

س:ماذا تغير في نص عمار شعابنية قبل وبعد الثورة ؟

ج :أصبحت بعد الثورة حريصا على أن أنتقيَ اللغة المناسبة لبناء قصائدي لأن  للغة مهمتيْن  أساسيتيْن هما التعبير والتبليغ ،  وإذ  يعتقد البعض  أن  التعبير هو  التبليغ فذلك  خطأ من أخطاء الكتابة  ، فالتعبير  له  سلطة على  الشاعر  أو  الكاتب  تشرط  عليه  ـ إنْ  كان جادا  في ما  يُنجز ـ أن يخضع اللغة  إلى  سلطة الفكرة لتحوّلها  إلى خطاب شعري قادر  على  أن يُفصح عن  الكثير  مما يريد الإفصاح عنه ، لأن  الشاعر يتوكأ  على  اللغة  والإيقاع  أو  الوزن بينما  يتوكأ  السارد  على  اللغة  فقط إلى  جانب  الأسلوب الذي يحتاج  إليه كِلا  الطرفين ، وقد يتحقق ذلك بقدر مناسب لما  يتجرعه  الشاعر  من مرارة  الكتابة التي هي  المعاناة ، أما  التبليغ فينتظر  من  اللغة  أن تشحن النص بالمفردات والسياقات الدلالية والتركيبية المؤلهة للتأثير  على  المتلقي الذي هو الطرف الأساسي الجدير بكتابة  شهادة الحياة  أو  الوفاة للنص  .. فكم من قصائد ماتت وأصحابها أحياء يرزقون وكم على العكس من ذلك عاشت من قصائد وأصحابها ميتون منذ أعوام وعقود وعصور... والشاعر الذي لا يقرأ لما يكتب حسابين للتعبير والتبليغ ولا يفرّق بينهما يجد نفسه يجري خارج المضمار إلى أن ينسحب أو يُنسى.

أما خارج التغيير الذي أصر  عليه  لتطوير  تقنيات كتابتي فإنني ما  زلت متشبثا  بقناعاتي  وجذوري الأولى التي صبغتْ قصائدي الشعرية  ونصوصي المسرحية ، لآجل  ذلك أفكّر في  جمع كل الحوارات التي أجرِيت  معي  ونُشرت في الصحف  والمجلات لإصدارها  في كتاب له  عنوان  أوّلي  "  حواراتي قبل  الثورة  وحواراتي  بعد  الثورة " ليكتشف  القراء عند  الإطلاع  عليها أن عقيدتي الإنسانية ونظرتي إلى  الناس  والحياة  لم  تتغيّر لأنني لا  أتأثر بالتقليعات والظواهر السياسية  والاجتماعية وأستند في سلوكياتي إلى  قيَم  خالدة لا  تستطيع دساتير  العالم  أن تلغيها . . فالذي يقرأ  قصيدتي " غبار  الوقت " التي كتبتها  في مفتتح  تسعينيات  القرن  الماضي ونُشرت سنة 1994 في  مجموعة  شعرية  حملت  اسمها بإمكانه أن يصوّر  أنها  مكتوبة  منذ أيام ومستمدة أفكارها  مما  يحدث  الآن في  تونس  والبلاد  العربية  والعالم  ،  والذي يقرأ قصيدة " أم  على  جمرة من  نحاس أعض؟ " بإمكانه أن يتذكر من  مقاطعها أحداثا  جدّت منذ سنين فائتة  أو أن  ينتظر ـ  إن كُتبت  له  الحياة سنينا  طويلة ـ ليُسقط مضمونها  على  ما سيحدث .

س : تتميّز قصائدك بجزالة  المعاني وشفافية  الأسلوب و نصاعة  الصوَر هل يعتبر ذلك اختارا  أم ضرورة ؟

ج:الشاعر الذي يحترم قراءه مطالب باحترام قصيدته،  لأن ّالقصيدة مثل المرأة بل هي امرأة ضَرّة تُجبر أحيانا صاحبها ـ أثناء كتابتها ـ على أن يهجر زوجته بينما لا تستطيع الزوجة أن تجبر زوجها الشاعر على ترك القصيدة لأنها تدرك مسبقا أنّ مطلبها مرفوض،   وغالبا  ما  تساعد  الزوجة  زوجها  على التخلص  من مخاضه حتى  يتفرغ  لها  في  ما بعد  فتهيئ  له  أجواء الكتابة  بإحضار  القهوة أو  الشاي أو  المكسّرات وكل  ما  يحرضه  على التفكير وسرعة  التحبير. وأنا أتهيأ  للاحتفاء بالقصيدة  القادمة بتغيير  أماكن وأزمنة  كتابتها  لأنها لا تأتيني دفعة  واحدة إلا  إذا  كانت  قصيرة ، وقد أنسج بعض  أبياتها  أو  أسطرهما  في لحظات  قصيرة  وقد يستغرق  مني  بناء بيت  واحد أياما  طويلة ، وقد حدث  ذلك للذكر مع  قصيدة  " على  جمرة من  نحاس أعض ؟" التي أعددتها  في ثلاثة أيام بأكثر  من  مائة سطر، غير  أني انتظرت  ثلاثة  أيام أخرى لأبنيَ أربعة  أسطر بالتصوّر الذي انغمست  فيه ،  وهذه الأسطر  هي  :
وأشهد  أني فقير  إلى  حُبّها
وأني إذا  سرتُ أمشي خجولا  على  دربها
وإذ تتأنس بي أستحي من  توَحّش ذاتي
ومن  زمَن  لم يقدّمْ لها ثمرةً  من  حياتي

وإذ  أحتفي بجزالة المعاني وشفافية  الأسلوب  ونصاعة  الصورة فلأنها ضوابط جمالية وشاعرية لا ترتقي بغير  توّفره  القصيدة  إلى  ما يُحكم سلطتها  على أذواق  واهتمامات المتلقين ،  فالشعر رسالة وللرسائل حتى  عندما   تكون  عادية محامل مختلفة ، فالبعض يوصلها في ورق  عادي  بكتابة  مرتجلة والبعض يقدمها بتنميق ورقي مرسومة عليه  أزهار وعصافير وطبيعة  خلابة وآخرون يعطّرونها  بروائح ذكية إذا كان  مضمونها  غراميا  ،  وأنا أؤمن  بالتواصل  العاشق بين الشاعر  والمتقبل لذلك  أحرص على أختار  ما ينمّق   نصوصي حتى  عندما  تكون مواضيعها يائسة  وبائسة حتى يشدّ الشعر  على أيدي العقول ولا يتوجّه إلى  العواطف بمجرد التهنئة والتعزية .

وقد شهد لي الجامعي والناقد الدكتور محمد صالح  بن عمر بقوله  ( وهو لم ينفكّ يأخذ بألبابنا  بقصائده ذات القيمة الفنّية العالية).

وفي هذا المقام أشير إلى أن المنتصرين إلى مقولة أن الشعر الحديث لا يحتاج إلى توظيف ما هو تجميلي في قصائده  لم يسلموا من  أن يحملوا أكياسا  من الأفكار  الخاطئة لسببين :
1)إما  لأنهم واضعو  نظريات نقدية لم يطبقوها  على كتابة لكونهم غير شعراء .
2) أو لأنهم  شعراء ينقصهم  الخيال  الشعري ولا  يفكرون في القراء.

والاختيار الذي أردته لنفسي في ما أستحضره لبناء قصائدي هو في الوقت ذاته ضرورة ذكرت دوافعها.

ثم أن  الشعر فن  ولا  يرتقي الفن بمعزل عن اتكائه على المعنى  والأسلوب  والصورة .

س: ما  رأيك  في  ما  يُنشر  الآن  من  أشعار ؟

ج : أحيانا أشعر  بأنني  مقصّر في قراءة  الأشعار  الجميلة التي تٌنشر  هنا  أو  هناك لأن هناك ممارسات  مختلفة في  ساحاتنا  الأدبية  العربية  بالخصوص تسهم  من خلط  الأوراق  خلطا سيئا بل  شيطانيا  أحيانا فتتسبب  في حجب  الجيّد  وإبراز  الرديء والمقرف والخانق

لغايات يعلمها  أصحابها وبعضها  دني  .. فهناك كتـّاب وشعراء بارزون يكتبون مقدمات لنصوص تافهة تدّعي الانتساب إلي الشعر والشعر براء منها  فتُنشر  تلك  الرّزم  من  الأوراق  المجمعة مبرزة على علاف صدر  الكتاب اسم صاحبها  مع  الإشارة   بكتابة  اسم  صاحب التقديم بخط  بارز ، وفي ذلك تصيّدٌ تظليلي للقارئ  الذي قد ينجذب للكتاب لما يعرفه عن  المقدّم من  تضلّع في مجاله  الأدبي فيثق به غير  أنه سرعان  ما  يكتشف خيوط  اللعبة  الخبيثة  فيعزم  على مقاطعة  قراءة ما  يصدر للشعراء الحقيقيين وبالخصوص  منهم  الشبان  الذين ما  زالوا  في حاجة  إلى  التعريف بهم ،وفي  ذلك سبب  من  أسباب العزوف  عن  شراء الكتاب الذي تقلصت أعداد  نسخه ..وهناك كتابات جيدة لا يهتم بها النقاد إن وُجدوا ولا تظفر بمن يعرّف  بها .. وهناك  ملتقيات  ومهرجانات أصبح  أصحابها  يوجّهون  الدعوات لمن لا  يستحقونها أو بوضوح  لمن  لا يسحققنها ليَفِدْن على التظاهرات لغايات لا  علاقة  لها بالشعر .. وهناك قيْئ فايسبوكي كثير يتلقاه  العابثون بوضع  علامات  أو  عبارات  الإعجاب  الكاذبة  ليوهموا أصحابها  وصاحباتها بأنهم مبدعون ..

وبسبب  ذلك أجدني ملزما  على البحث عن  نصوص مقنعة عسى  أن أتدرج  منها إلى العثور على  مجاميع  شعرية لأصحابها أحصل  منها  على  مؤونة التأثر بما أقرؤه لأتهيأ بعده  لكتابة محرِّضة ( الراء مجرورة) على الابتكار  المُضِيف لأن  الذي لا يقرأ لا  يكتب وقراءة النص الجميل تقود  إلى  كتابة نص جميل  وعكس ذلك يحصل باستمرار .
وأنا من هذا الحوار أصرخ محذّرا بالقول إن الأوان قد آن ليُفرض  من  طرف  وزارات  الثقافة واتحادات  الكتاب على  دُور  النشر من  بين إلزامها عرض  المخطوات المرشحة  للنشر على  لجان  قراءة متكونة  من كتاب  وشعراء  مشهود  لهم بالكفاءة لأجازة ما يستحق الطبع ورفض غيره  .. كما أدعو إلى مساعدة المؤلف   لا  الناشر بالدعم  من  طرف وزارات الثقافة ، وأوجه كلامي بالخصوص إلى  وزارة  الثقافة  والمحافظة على  التراث  ببلادي  للقيام  بذلك بعد  تأكدها من  أن  مخطوط  الكتاب المقدم للمساعدة جدير بالنشر  والقراءة ، هذا  إلى  جانب ضرورة ضبط  خطة  إستراتيجية  مدروسة بمشاركة أطراف  مختلفة من ممثلي  كـُتاب  ووزارات  ثقافة  وتربية  وشباب  وطفولة  وشؤون  اجتماعية للترغيب في المطالعة وتقريب  الكِتاب  من  المواطن  وتقريب  المواطن  من  الكتاب لأنّ  الشعوب  التي  لا  تقرأ  لا تُبدع.

س: لمن  تقرأ من  الشعراء ؟

ج: قرأت للشعراء العرب البارزين من العصر الجاهلي إلى الوقت الحاضر وأطلعت على المدارس والتيارات الشعرية غربا وشرقا وأحطت بالكثير من كتابات صارخة لشعراء مناطق  كثيرة  من  العالم وحفظت في  فترات  دراستي  عديد  قصائد من  أصولها لامرؤ  القيس وأبي تمام  والمتنبي  والمعري ابن  زيدون وأحمد  شوقي  والسياب الشابي و نزار  قباني  وغيرهم  بالعربية ،ولبودلير  ورامبو  والفريد دي  موسّي وبول  إلوار وجاك  بريفير بالفرنسية  ،ولم أحفظ  ترجمة قصائد اللغات الأخرى ، ونسيتها  لانشغالاتي الكثيرة  لاحقا كما  ينسى المفلس جيبه  غير أني  أعوّض  على  النسيان  دائما  بالعودة إلى قراءتها وقراءة  الأشعار  الجديدة فأكمل  قراءة  ما يستفزني  منها وأتوقف  عن  تهجي غيرها كي لا  أضيع وقتي  في  ما  لا  يهم ّ,, ولعلي أرتاح  كثيرا عندما  أطّلع على  نصوص  جميلة في هذا  الزمن  الذي كثر  غثـّه  على  حساب سمينه ، لذلك  فأنا  أوصي نقاد  بلادي  خيرا  بأعمال بعض الشعراء الذين برزوا  مع  بدايات القرن  الجديد أمثال  مبروك  السياري  وسامي الذيبي  وشفيق  طارقي وسالم  الشرفي وسفيان رجب وسنية  المدوري  وسهام  بن  رحمة ،وهؤلاء  ممن  يكتبون القصيدة  العمودية  وقصيدة  التفعلية ، وتزار الحميدي  مخضرما، أما  ممن  يكتبون النصوص المنثورة  فأنا  أحتفي بنصوص أميمة الزائر وليلى  حمدي وسوسن  العجمي وشكري بوترعة   لأني ألمس  فيها  بحثا  واجتهادا و اشتراطات  صارمة للإبداع . وقد استفيد  منها  أحيانا  لما تتضمنه  من  أنفاس  جديدة  لجيل  جديد نشأ  على أساليب حياة ورؤى ومتوفرات لم  تكن متيسرة لي  ولمن  سبقوهم ، والقصيدة الجميلة  والنبيلة التي يكتبها  غيرك  هي التي  تتمنى لو  أنك  كاتبها  وتحرضك  على أن تصنع  مثلها  أو أحسن  .. وأعتز  بأن يكون  لهؤلاء  امتداد مُضيف لمسار القصيدة العربية  التونسية وأن  يصبحوا سدنةً واقفين  على  حمايتها  من  الترهّل والتشرذم الشعري الذيْن دأبت  على نشرهما  عصابات  الرداءة المترعرعة  في الصفحات  والمواقع الفايسبوكية والتي  خرجت  بقيْئها  لتنشره  في كتب مدفوعة  التكاليف ، ولعل  ما يمتحن قدرة  اتحادات  الكتاب على حماية  الكاتب  وكِتابه  هو تشددها الإيجابي  في  عدم إسناد  عضويات في صلب منخرطيها  للمتشعررين الطفيليين حتى  لا تصبح  لهم أصوات  الدفاع  عن  أمثالهم  وأصوات انتخاب معاضديهم لتحمل  مسؤوليات بالهيئات  المديرة .   

وما  يؤسفني هو  أن الكثير من  شعرائنا المعروفين  لا  يقرؤون للشباب الخلاّق أي حساب  معتقدين  أنهم وحدهم وجهة البوصلة  وفصل  الخطاب ولا ابتكار غير  ما ابتكروه .

e-max.it: your social media marketing partner
on 03 حزيران/يونيو 2016
انشأ بتاريخ: 24 تموز/يوليو 2016
الزيارات: 498

شتاء في حانة الصّحافيين

كن تافها كعادتك
باردا بما يكفي
سليطَ اللّسان
قذرًا
لكنْ...
                              اِقرأ المزيد...

لا تدّخرْ

لا تدّخرْ نبضا ولا حجرا فكلُّكَ في خطرْ دنياكَ..
آخرة الذين تحبّهم
وتصدّق الصحراء إكراما لَهمْ.
والياسمينة..

                          اِقرأ المزيد...

البرّاج  

ستُحبُّ كثيرا يا ولدي
و تُسافرُ خلْف الغيْماتْ .
و تُطارد كلّ أميراتِ العشْق
 
المرْسومات على كتُب التّاريخ
 

     اِقرأ المزيد...

 

أغنية متحركة

أنا القطعة الاثرية السالمة من الموت
اتشبث بفستانها الفضفاض
يا امي لماذا تعطيني
اسمها
 

                             اِقرأ المزيد...

أخضرُ هذا اللّيل 

طويل هذا اللّيل... بارد هذا الأرق... صاخب هذا الصمت... هامس هذا الموت... حارق هذا الغياب... جاثم هذا الحضور... !تعبتُ من السّفر وأرهقتني محطّات عواصم العمر...

                             اِقرأ المزيد...

اعترافات الابن أو قراءة في سيرة الأب 

إلى أبي يوسف
أنا ابنك المسيّج بالزيف والخداع
وحدي ألقيت نفسي في الجب يا أبي
وإخوتي براء من دمي

                             اِقرأ المزيد...